كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)

فَقَالُوا: يَا مُوسَى، لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ؟ قَالَ: بَلْ أَلْقُوا، {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغَالِبُونَ}، فَرَأَى مُوسَى مِنْ سِحْرِهِمْ مَا أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ، فَلَمَّا أَلْقَاهَا صَارَتْ ثُعْبَانَا عَظِيمًا، فَاغِرَةً فَاهَا، فَجَعَلَتِ العَصَا تَلَبَّسُ بِالحِبَالِ، حَتَّى صَارَتْ جُرَزًا عَلَى الثُّعْبَانِ تَدْخُلُ فِيهِ، حَتَّى مَا أَبْقَتْ عَصًا وَلا حَبْلاً إِلاَّ ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمَّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ، قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرًا لَمْ يَبْلُغْ مِنْ سِحْرِنَا كُلَّ هَذَا، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللهِ، وآمَنَّا بِاللهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، وَنَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ، فَكَسَرَ اللهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ فِي ذَلِكَ المَوْطِنِ وَأَشياعهِ، وَظَهَرَ الحَقُّ، {وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ بَارِزَةٌ، تَدْعُو اللهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ، فَمَنْ رَآهَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أَنَّهَا إِنَّمَا ابْتُذِلَتْ لِلْشَفَقَةِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ حُزْنُهَا وَهَمُّهَا لِمُوسَى، فَلَمَّا طَالَ مُكْثُ مُوسَى بِمَوَاعِدِ فِرْعَوْنَ الكَاذِبَةِ، كُلَّمَا جَاءَهُ بِآيَةٍ وَعَدَهُ عِنْدَهَا أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَإِذَا مَضَتْ أَخْلَفَ مَوْعِدَهُ، وَقَالَ: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يَصْنَعَ غَيْرَ هَذَا؟ فَأَرْسَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَوْمِهِ {الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} كُلُّ ذَلِكَ يَشْكُو إِلَى مُوسَى، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَكُفَّهَا عَنهُ، وَيُوَافِقُهُ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَإِذَا كَفَّ ذَلِكَ عَنهُ أَخْلَفَ مَوْعِدَهُ، وَنَكْثَ عَهْدَهُ، حَتَّى أُمِرَ مُوسَى بِالخُرُوجِ بِقَوْمِهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ مَضَوْا، أَرْسَلَ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ، فَتَبِعَهُ بِجُنُودٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ، وَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى البَحْرِ إِذَا ضَرَبَكَ عَبدِي مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَرِقِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، حَتَّى يجوزَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ عَلَى مَنْ بَقِيَ بَعْدُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ، فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِالعَصَا، فَانْتَهَى إِلَى البَحْرِ وَلَهُ قَصَيفٌ، مَخَافَةَ أَنْ يَضْرِبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ وَهُو غَافِلٌ، فَيَصِيرَ عَاصِيًا للهِ،

الصفحة 268