كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)
فَحَفَرَ حَفِيرًا، وَأَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ حِلْيَةٍ، أَنْ يَقْذِفُوهُ فِي ذَلِكَ الحَفِيرِ، ثُمَّ أَوَقَدَ عَلَيْهِ النَّارَ، فَأَحْرَقَهُ، فَقَالَ: لا يَكُونُ لَنَا وَلا لَهُمْ، وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، جِيرَانٍ لِبَنِي إِسرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَاحْتُمِلَ مَعَ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أَنْ رَأَى أَثَرًا، فَأَخَذَ مِنْهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهَارُونَ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا سَامِرِيُّ، أَلا تُلْقِي مَا فِي يَدِكَ، وَهُوَ قَابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَرَاهُ أَحَدٌ طُوَالَ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جَاوَزَ بِكَمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيهَا بشَيْءٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ اللهَ إِذَا أَلْقِيتُها، أَنْ يَكُونَ مَا أُرِيدُ، فَأَلْقَاهَا، وَدَعَا لَهُ هَارُونُ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عِجْلاً، فَاجْتَمَعَ مَا كَانَ فِي الحُفْرَةِ مِنْ مَتَاعٍ، أَوْ حِلْيَةٍ، أَوْ نُحَاسٍ، أَوْ حَدِيدٍ، فَصَارَ عِجْلاً أَجْوَفَ، لَيْسَ فِيهِ رَوْحٌ لَهُ خُوَارٌ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لا وَاللهِ، مَا كَانَ لَهُ صَوْتٌ قَطُّ، إِنَّمَا كَانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ مِنْ دُبُرِهِ، وَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَفَرَّقَ بَنُو إِسرَائِيلَ فِرَقًا، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: يَا سَامِرِيُّ، مَا هَذَا؟ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ: هَذَا رَبُّكُمْ، وَلَكِنَّ مُوسَى أَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لا نُكَذِّبُ بِهَذَا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى، فَإِنْ كَانَ رَبَّنَا، لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنَاهُ وَعَجَزْنَا فِيهِ حِينَ رَأَيْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنَا، فَإِنَّا نَتَّبِعُ قَوْلَ مُوسَى، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا عَمَلُ الشَّيْطَانِ، وَلَيْسَ بِرَبِّنَا، وَلَنْ نُؤْمِنُ بِهِ، وَلا نُصَدِّقُ، وَأُشْرِبَ فِرْقَةٌ فِي قُلُوبِهِمُ الصِّدْقَ بِمَا قَالَ السَّامِرِيُّ فِي العِجْلِ، وَأَعْلَنُوا التَّكْذِيبَ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحمَنُ} قَالُوا: فَمَا بَالُ مُوسَى وَعَدَنَا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَخْلَفَنَا، هَذِهِ أَرْبَعُونَ قَدْ مَضَتْ؟ فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: أَخْطَأَ رَبَّهُ، فَهُوَ يَطْلُبُهُ وَيَتْبَعُهُ، فَلَمَّا كَلَّمَ اللهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ، أَخبَرَهُ بِمَا لَقِيَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} قَالَ لَهُمْ مَا سَمِعْتُمْ فِي القُرْآنِ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ مِنَ الغَضَبِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَذَرَ أَخَاهُ بِعُذْرِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ،
الصفحة 271