كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 13)

ثُمَّ مَضَوْا، حَتَّى أَتَوُا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا مَدِينَةً فِيهَا قَوْمٌ جَبَّارُونَ، خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ، وَذَكَرَ مِنْ ثِمَارِهِمْ أَمْرًا عَجِيبًا مِنْ عِظَمِهَا، فَقَالُوا: {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} لا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، وَلا نَدْخُلُهَا مَا دَامُوا فِيهَا، {فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلاًنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} قِيلَ لَيَزِيدَ: هَكَذَا قَرَأَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنَ الجَبَّارِينَ، آمَنَّا بِمُوسَى، وَخَرَجَا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِقَوْمِنَا، إِنْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَخَافُونَ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ أَجْسَامِهِمْ وَعَدَدِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لا قُلُوبَ لَهُمْ، وَلا مَنَعَةَ عِنْدَهُمْ، فَادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ، وَيَقُولُ أُناسٌ: إِنَّهُمَا مِنْ قَوْمِ مُوسَى، فَقَالَ الَّذِينَ يَخَافُونَ بَنُو إِسرَائِيلَ: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فَأَغْضَبُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ، وَسَمَّاهُمْ فَاسِقِينَ، وَلَمْ يَدَعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْهُمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وَإِسَاءَتِهِمْ، حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ، فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَسَمَّاهُمْ كَمَا سَمَّاهُمْ مُوسَى فَاسِقِينَ، فَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى، وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَابًا لا تَبْلَى، وَلا تَتَّسِخُ، وَجَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلاثَةُ أَعْيُنٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنْهَا، فَلا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ بِالمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بِالأَمْسِ.
رَفَعَ ابنُ عَبَّاسٍ هَذَا الحَدِيثَ إِلَى النَّبيِّ صَلى الله عَليه وسَلم، وَصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي، أَنَّ مُعاويَةَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَ هَذَا الحَدِيثَ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ الَّذِي أَفْشَى عَلَى مُوسَى أَمْرَ القَتِيلِ الَّذِي قَتَلَ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْشِي عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ، وَلا ظَهَرَ عَلَيْهِ إِلاَّ الإِسرَائِيلِيُّ الَّذِي حَضَرَ ذَلِكَ؟! فَغَضِبَ ابنُ عَبَّاسٍ، فَأَخَذَ بِيَدِ مُعاويَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى سَعْدِ بنِ مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسحَاقَ، هَلْ تَذْكُرُ يَوْمًا حُدِّثْنَا عَن رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم، عَن قَتِيلِ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، الإِسرَائِيلِيُّ أَفْشَى عَلَيْهِ، أَمِ الفِرْعَوْنِيُّ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَفْشَى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ مَا سَمِعَ مِنَ الإِسرَائِيلِيِّ، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَهُ.

الصفحة 274