كتاب تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (اسم الجزء: 13)

حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ. وَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ حِينَ رمى سعدا الرَّجُلَ فَأَصَابَهُ، إِنَّمَا كَانَ سُرُورًا بِإِصَابَتِهِ لَا بِانْكِشَافِ عَوْرَتِهِ، فَإِنَّهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. السَّادِسَةُ- لَا اخْتِلَافَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتَ كُلَّهَا لَهَا أَفْهَامٌ وَعُقُولٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَمَامُ أَعْقَلُ الطَّيْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالنَّمْلُ حَيَوَانٌ فَطِنٌ قَوِيٌّ شَمَّامٌ جِدًّا يَدَّخِرُ وَيَتَّخِذُ الْقُرَى وَيَشُقُّ الْحَبَّ بِقِطْعَتَيْنِ لِئَلَّا يَنْبُتَ، وَيَشُقُّ الْكُزْبَرَةَ بِأَرْبَعِ قِطَعٍ، لِأَنَّهَا تنبت إذا قسمت شقين، وَيَأْكُلُ فِي عَامِهِ نِصْفَ مَا جَمَعَ وَيَسْتَبْقِي سَائِرَهُ عِدَّةً. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْعُلُومِ عِنْدَنَا، وَقَدْ أَدْرَكَتْهَا النَّمْلُ بِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهَا، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمُظَفَّرِ شَاهْنُورِ الاسفرايني: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُدْرِكَ الْبَهَائِمُ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَحُدُوثَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَوَحْدَانِيَّةَ الْإِلَهِ، وَلَكِنَّنَا لَا نَفْهَمُ عَنْهَا وَلَا تَفْهَمُ عَنَّا، أَمَّا أَنَّا نَطْلُبُهَا وَهِيَ تَفِرُّ مِنَّا فَبِحُكْمِ الْجِنْسِيَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) فَ" أَنْ" مَصْدَرِيَّةٌ. وَ" أَوْزِعْنِي" أَيْ أَلْهِمْنِي ذَلِكَ. وَأَصْلُهُ مِنْ وَزَعَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُفَّنِي عَمَّا يُسْخِطُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمَانَ هِيَ امْرَأَةُ أُورْيَا الَّتِي امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا دَاوُدَ، أَوْ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا تَزَوَّجَهَا دَاوُدُ فَوَلَدَتْ لَهُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ" ص" «١» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) أَيْ مَعَ عِبَادِكَ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى في جملة عبادك الصالحين.
---------------
(١). في تفسير قوله تعالى:" وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ" آية ٢٤ من السورة المذكورة.

الصفحة 176