كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 13)

إلى العراق واحتاز بِإِرْبِلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَةٍ، فَوَجَدَ مَلِكَهَا الْمُعَظَّمَ مُظَفَّرَ الدِّينِ بْنَ زَيْنِ الدِّينِ يَعْتَنِي بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ، فَعَمِلَ لَهُ كِتَابَ التَّنْوِيرِ فِي مَوْلِدِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَقَرَأَهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَأَجَازَهُ بِأَلْفِ دينار، قال وَقَدْ سَمِعْنَاهُ عَلَى الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ فِي سِتَّةِ مجالس في سنة ست وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. قُلْتُ وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَكَتَبْتُ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً مُفِيدَةً. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وأربعين وخمسمائة، وقيل ست أو تسع وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ قَدْ بَاشَرَ بَعْدَهُ دَارَ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةَ بِمِصْرَ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى وَضْعِ حَدِيثٍ فِي قَصْرِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَكُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَقِفَ عَلَى إِسْنَادِهِ لِنَعْلَمَ كَيْفَ رِجَالُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَلَى أن المغرب لا يقصر، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة
فِيهَا حَاصَرَتِ التَّتَارُ إِرْبِلَ بِالْمَجَانِيقِ وَنَقَبُوا الْأَسْوَارَ حَتَّى فَتَحُوهَا عَنْوَةً فَقَتَلُوا أَهْلَهَا وَسَبَوْا ذَرَارِيَّهُمْ، وامتنعت عليهم القلعة مدة، وَفِيهَا النَّائِبُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلَ فَصْلُ الشِّتَاءِ فَأَقْلَعُوا عَنْهَا وَانْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقِيلَ إِنَّ الْخَلِيفَةَ جَهَّزَ لَهُمْ جَيْشًا فَانْهَزَمَ التَّتَارُ. وَفِيهَا اسْتَخْدَمَ الصَّالِحُ أَيُّوبُ بْنُ الْكَامِلِ صَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا الْخُوَارَزْمِيَّةَ الَّذِينَ تَبَقَّوْا مِنْ جَيْشِ جَلَالِ الدِّينِ وَانْفَصَلُوا عَنِ الرُّومِيِّ، فَقَوِيَ جَأْشُ الصَّالِحِ أَيُّوبَ. وَفِيهَا طَلَبَ الْأَشْرَفُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ مِنْ أَخِيهِ الْكَامِلِ الرَّقَّةَ لِتَكُونَ قُوَّةً لَهُ وَعَلَفًا لِدَوَابِّهِ إِذَا جَازَ الْفُرَاتَ مَعَ أَخِيهِ فِي الْبَوَاكِيرِ، فَقَالَ الْكَامِلُ: أَمَا يَكْفِيهِ أَنَّ مَعَهُ دِمَشْقَ مَمْلَكَةَ بَنِي أُمَيَّةَ؟ فَأَرْسَلَ الْأَشْرَفُ الْأَمِيرَ فَلَكَ الدِّينِ بْنَ الْمَسِيرِيِّ إِلَى الْكَامِلِ فِي ذَلِكَ، فَأَغْلَظَ لَهُ الْجَوَابَ، وَقَالَ: أَيْشِ يَعْمَلُ بِالْمُلْكِ؟ يَكْفِيهِ عِشْرَتُهُ لِلْمَغَانِي وَتَعَلُّمُهُ لصناعتهم. فغضب الأشرف لذلك وَبَدَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَهُمَا، وَأَرْسَلَ الْأَشْرَفُ إِلَى حَمَاةَ وَحَلَبَ وَبِلَادِ الشَّرْقِ فَحَالَفَ أُولَئِكَ الْمُلُوكَ عَلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ، فَلَوْ طَالَ عُمْرُ الْأَشْرَفِ لَأَفْسَدَ الْمُلْكَ عَلَى أَخِيهِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَيْلِ الْمُلُوكِ إِلَيْهِ لِكَرَمِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَشُحِّ أَخِيهِ الْكَامِلِ، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَتْهُ مَنِيَّتُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ رَحِمَهُ الله تعالى.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ
الْمَلِكُ الْعَزِيزُ الظَّاهِرِ
صَاحِبُ حَلَبَ مُحَمَّدُ بْنُ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غِيَاثِ الدِّينِ غَازِيِّ بْنِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ فَاتِحِ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ وَأَبُوهُ وَابْنُهُ النَّاصِرُ أَصْحَابُ مُلْكِ حَلَبَ مِنْ أَيَّامِ النَّاصِرِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْعَزِيزِ الْخَاتُونُ بِنْتُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَكَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ كَرِيمًا عَفِيفًا، تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ مُدَبِّرَ دَوْلَتِهِ الطَّوَاشِيُّ شِهَابُ الدِّينِ، وَكَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ

الصفحة 145

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text