كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 13)

شِعْرٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَحَكَى الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ في ذلك بعد ما نسبه كما ذكرنا عن والده الْقَاضِي بَهَاءِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ مُوَافَقَةً لِشَيْخِهِ مُحْيِي الدين ابن عَرَبِيٍّ، وَلِمَنَامٍ رَآهُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ مُعْرِضًا عَنْهُ بِسَبَبِ مَا كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهِ فِي أَيَّامِ صِفِّينَ، فَأَصْبَحَ فَنَظَمَ فِي ذَلِكَ قَصِيدَةً يَذْكُرُ فِيهَا مَيْلَهُ إِلَى عَلِيٍّ، وَإِنْ كان هو أموى:
أَدِينُ بِمَا دَانَ الْوَصِيُّ وَلَا أَرَى ... سِوَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أُمَيَّةُ مَحْتِدِي
وَلَوْ شَهِدَتْ صِفِّينَ خيلى لاعذرت ... وشاء بَنِي حَرْبٍ هُنَالِكَ مَشْهَدِي
لَكُنْتُ أَسُنُّ الْبِيضَ عنهم تراضيا ... وَأَمْنَعُهُمْ نَيْلَ الْخِلَافَةِ بِالْيَدِ
وَمِنْ شِعْرِهِ:
قَالُوا مَا فِي جِلَّقٍ نُزْهَةٌ ... تُسْلِيكَ عَمَّنْ أَنْتَ به مغرا
يَا عَاذِلِي دُونَكَ فِي لَحْظِهِ ... سَهْمًا وَقَدْ عَارَضَهُ سَطْرَا
الصَّاحِبُ فَخْرُ الدِّينِ
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِبُ بَهَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ الْحِنَّا الْمِصْرِيُّ، كَانَ وَزِيرَ الصُّحْبَةِ، وَقَدْ كَانَ فَاضِلًا، بَنَى رِبَاطًا بِالْقَرَافَةِ الْكُبْرَى، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ وَالِدِهِ بِمِصْرَ، وَبِالشَّافِعِيِّ بَعْدَ ابْنِ بنت الأعز توفى بشعبان وَدُفِنَ بِسَفْحِ الْمُقَطَّمِ، وَفَوَّضَ السُّلْطَانُ وِزَارَةَ الصُّحْبَةِ لولده تَاجِ الدِّينِ.
الشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ أَبِي الحسن
ابن الْخَرَّازِ الصُّوفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الشَّاعِرُ، لَهُ دِيوَانٌ حَسَنٌ، وَكَانَ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ حَسَنَ الْمُذَاكَرَةِ، دَخَلَ عَلَيْهِ بعض أصحابه فلم يقم له فأنشده قَوْلَهُ:
نَهَضَ الْقَلْبُ حِينَ أَقْبَلْتَ ... إِجْلَالًا لِمَا فِيهِ مِنْ صَحِيحِ الْوِدَادِ
وَنُهُوضُ الْقُلُوبِ بِالْوُدِّ أَوْلَى ... مِنْ نُهُوضِ الْأَجْسَادِ لِلْأَجْسَادِ
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة تسع وستين وستمائة
فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ مِنْهَا رَكِبَ السُّلْطَانُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى عَسْقَلَانَ فَهَدَمَ مَا بَقِيَ مِنْ سُورِهَا مِمَّا كَانَ أُهْمِلَ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَوَجَدَ فِيمَا هَدَمَ كُوزَيْنِ فِيهِمَا أَلْفَا دِينَارٍ فَفَرَّقَهُمَا عَلَى الْأُمَرَاءِ. وَجَاءَتْهُ الْبِشَارَةُ وَهُوَ هُنَالِكَ بِأَنَّ مَنْكُوتَمُرَ كَسَرَ جَيْشَ أَبْغَا فَفَرِحَ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ. وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَلَغَ السُّلْطَانَ أَنَّ أَهْلَ عَكَّا ضَرَبُوا رِقَابَ مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ صَبْرًا بِظَاهِرِ عَكَّا، فَأَمَرَ بِمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ أَسْرَى أَهْلِ عَكَّا فَضُرِبَتْ رِقَابُهُمْ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وكانوا قريبا من مائتي أَسِيرٍ. وَفِيهَا كَمَلَ جَامِعُ الْمَنْشِيَّةِ [1] وَأُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ. وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا بَيْنَ أَهْلِ تونس والفرنج، ثم تصالحوا بعد ذلك
__________
[1] كذا في المصرية. وفي التركية المزة.

الصفحة 258

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text