كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 13)

المَروَزيُّ لمذهبِ الشافعيِّ الذي اختارَه في ذلك. وفي المسألة نظرٌ، ومَن تدبَّر ما أورَدْناه اكتَفى بما وصَفنا (¬١)، واللَّهُ الموفِّقُ للصَّواب، والهادي إليه لا شَريكَ له.
وفي هذا الحديث ما كانوا عليه من ضيقِ العيش والإقلال، ألا تَرى أنهم كانت يومئذٍ بيوتُهم دونَ مصابيح (¬٢)، وفي قول عائشة رحمها اللَّه: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيح. دليلٌ على انها إذ حدَّثَت بهذا الحديث كانت بيوتُهم فيها المصابيح، وذلك أنَّ اللَّهَ فتَح عليهم بعدَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من الدُّنيا، فوسَّعوا على أنفسِهم، إذ وسَّع اللَّهُ عليهم، وقولها: "يومئذ" تريد: حينئذٍ؛ لأنّا لو جعلْنا اليومَ النَّهارَ على المعهود، استَحال أن تكونَ المصابيحُ نهارًا في بيوتهم، فعلِمْنا أنها أرادَت بقولها: "يومئذٍ" أي: حينئذٍ. وهذا مشهورٌ في لسان العرب أنها كانت تُعبِّرُ باليوم عن الحين والوقت، كما تُعبِّرُ به عن النهار، واليومُ هو النهارُ كما قال الشاعر:
أجدي (¬٣) هذا الليلُ لا يتردَّدُ ... وأيُّ نَهارٍ لا يكونُ له غدُ (¬٤)
يقولُ إذا طال عليه الليل: أجِدًّا أن يكونَ ليلٌ لا يتردَّدُ، أو أن يكونَ يومٌ لا يكونُ له غدٌ، أو ليلٌ لا يكونُ له غدٌ؟! وهذا أشهرُ عندَهم من أن يُحتاجَ فيه إلى الاستِشهاد (¬٥).
---------------
(¬١) في د ٢: "وصفناه".
(¬٢) في د ٢: "أنها كانت بيوتهم يومئذٍ ليست فيها مصابيح"، والمثبت من الأصل.
(¬٣) في الأصل، م: "أجدك"، والمثبت من د ٢، وهو الموافق لمصدر التخريج.
(¬٤) البيت المؤتلف والمختلف للآمدي ١/ ١٦٨، وعزاه لزِرّ بن محمد الثعلبي، وقال: "أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض، شاعر".
(¬٥) هذا هو آخر المجلد التاسع من نسخة الأصل، وجاء في آخره: "ثم السفر التاسع من كتاب التمهيد، والحمد للَّه حق حمده، وصلى اللَّه على محمد نبيه الأكرم وعبده، يتلوه إن شاء اللَّه في أول العاشر: حديث سابع لأبي النضر: مالك عن محمد بن المنكدر وأبي النضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد، واللَّه المعين برحمته".

الصفحة 378