كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 13)
وعن يحيى بن سعيد، عن سلمةَ أبي بشر، عن عكرمةَ في قوله: {الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: ٥٧]. قال: أصحابُ التصاوير (¬١).
وذهبَ جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الصورةَ المكروهةَ في صنعتِها واتِّخاذِها ما كان له رُوحٌ. وحجتُهم حديثُ القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "مِن أشَدِّ النّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ المصَوِّرونَ، يقالُ لهم: أحيُوا ما خَلَقتُم" (¬٢). ففي هذا دليلٌ على أنَّ الحياةَ إنَّما قُصِد بذكرِها إلى الحيوانِ ذواتِ الأرواح.
وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بنُ خَليفة، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسن، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ إذ جاءَه رجل، فقال: إنِّي أردْتُ أن أُنَمِّي مَعيشتي من صَنعةِ يدي، وإنِّي أصنعُ هذه التصاوير. فقال ابنُ عباس: لا أُحدِّثُك إلّا ما سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، سمِعتُه يقول: "مَن صَوَّرَ صورَةً فإنَّ اللَّهَ مُعذِّبُه يومَ القيامةِ حتى يَنفُخَ فيها الرُّوح، وليس بنافخٍ فيها أبدًا". قال: فكبَا لها الرجلُ كَبوةً شديدة، واصفَرَّ وجهُه، ثم قال: وَيْحَك! إنْ أبيْتَ إلا أن تَصنع، فعليك بهذا الشجر، وكلِّ شيءٍ ليس فيه رُوحٌ (¬٣).
---------------
(¬١) ابن أبي شيبة في مصنَّفه (٢٥٨٠٩).
(¬٢) حديث القاسم بن محمد عن عائشة رضي اللَّه عنها هو في الموطأ ٢/ ٥٥٨ (٢٧٧٣) وهو حديث هذا الباب، وليس فيه عنها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون" إنما يروى هذا من حديث مسروق بن الأجدع عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه مرفوعًا، أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٢ - ٢٣ (٣٥٥٨)، ومسلم (٢١٠٩)، ومن حديث سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه مرفوعًا، وهو عند أحمد في المسند ٨/ ٤١٢ (٤٧٩٢).
(¬٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٩/ ٢٨٧، والمِزِّيّ في تهذيب الكمال ١٨/ ٤٨ - ٤٩ من طرق هوذة بن خليفة، به. =