كتاب المعجم الكبير للطبراني جـ 13، 14 (اسم الجزء: 13)

14174 - حدثنا محمَّد، ثنا أبي، ثنا أبو عامر العَقَدي، ثنا هشام ابن سَعْد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلَماني، عن عبد الله ابن عَمرو: إذا قُتِلَ العَبْدُ في سبيل الله، فأوَّلُ قَطْرَة تقَعُ على الأرض من دَمِه يَغفِرُ الله له ذُنوبَه كلَّها، ثم يُرسَلُ إليه بِرَيْطَةٍ (¬1) من الجنَّة فتُقْبَضُ فيها نَفْسُه، ويُجْسَدُ (¬2) من الجنَّة، حتى تُرَكَّبَ فيه رُوحُه، ثم يَعْرُجُ مع المَلائكَة كأنه كان معَهُم منذُ خلقَهُ الله، حتى يُؤْتى به إلى السَّماء (¬3) ، فلا يَمُرُّ بباب إلاَّ فُتِحَ له، ولا على مَلَكٍ إلاَّ صلَّى عليه واسْتَغْفَر له، حتى يُؤْتى به الرَّحمنُ عزَّ وجلَّ، فيَسْجُد قَبْلَ المَلائِكَة، ثم تَسْجُد المَلائكَةُ بعدَه، ثم يُغْفرُ له ويُطَهَّر، ثم يُؤْمَرُ به إلى الشُّهَداء، فيَجِدُهُم -[356]- في رياضٍ خُضْرٍ وثيابٍ من حَرير، عندهُم ثَوْرٌ وحُوتٌ يُلَغِّثَانهم (¬4) كل يوم بشيء لم يُلَغِّثَاهُ (¬5) بالأمس؛ يظَلُّ الحوتُ في أنهار الجَنَّة، فيأكلُ من كلِّ رائحَةٍ من أنهار الجنَّة، فإذا أمسى وَكَزَهُ الثورُ بقَرْنِه (¬6) ، فذَكَّاهُ، فأكلوا من لَحْمه، فوجَدوا في لَحْمه كلَّ رائحةٍ من أنهار الجنَّة. ويَبِيتُ الثورُ نافشًا (¬7) في الجنَّة يأكلُ من ثَمَر الجنَّة، فإذا أصبَحَ غَدا عليه الحُوتُ فذَكَّاهُ/ بذَنَبِه، فأكَلُوا من لَحْمه، ووجَدوا في طَعْمِ لَحْمِه طَعْمَ [خ: 311/ب]
كلِّ ثَمَرةٍ في الجنَّة (¬8) ، يَنظُرون إلى مَنازلِهم، يَدْعُونَ الله بقيام السَّاعَة (¬9) . -[357]-
وإذا تَوفَّى الله العبدَ المؤمنَ أرسلَ إليه مَلَكَينِ بخِرْقَةٍ منَ الجنَّة، ورَيْحانٍ من رَيْحانِ الجنَّة، فقالا: أيتُها النفسُ المُطمَئِنَّة، اخْرُجي إلى رَوْح ورَيْحان، وربٍّ غيرِ غَضْبان، اخْرُجي؛ فَنِعِمَّا قدَّمْتِ، فتَخْرُجُ كأطيبِ رائحةِ المِسْك وَجَدَها أحدٌ منكُم بأنفِه قَطُّ، وعلى أرجاء السَّماءِ ملائكةٌ يقولون: سُبحانَ اللهِ! لقد جاءَ من الأرض اليومَ روحٌ طَيِّبَة ونَسَمَةٌ (¬10) طَيِّبَة، فلا يمُرُّ ببابٍ إلاَّ فُتح له، ولا مَلَكٍ إلاَّ صلَّى عليه، ويَشْفَعُ له، حتَّى يُؤْتى به الرحمنُ عزَّ وجلَّ، فتَسْجُدُ المَلائكةُ قَبْلَه، ثم يَقولونَ: ربَّنا، هذا عَبدُك فلانٌ تَوَفَّيناهُ وأنتَ أعلَمُ به، فيقولُ: مُروهُ بالسُّجود، فيَسْجُدُ النَّسَمَةُ (¬11) ، ثم يُدْعى مِيكائِيلُ فيقال: اجْعَل هذه النَّسَمَة مع أنْفُسِ المُؤمنينَ حتَّى أسألَكَ عنهُم يومَ القِيامَة. ثم يُؤمَر بجَسَدِه (¬12) فيُوسَّعُ له؛ طُوله سَبعونَ وعَرْضُه سَبعونَ، ويُنْبَذ فيه الرَّيْحان ويُبسَط فيه الحَرير، ويسترُ فيه [بِحرير] (¬13) ، وإن كان معَهُ شيءٌ من القُرآنِ كَساهُ (¬14) نوره، وإلاَّ جَعَل الله له نُورًا مثلَ نور الشَّمس، ثم يُفتَح له بابٌ إلى الجنَّة، فيَنْظُر إلى مَقْعَدِهِ في الجنَّة بُكْرَةً وعَشِيًّا. -[358]-
وإذا تَوفَّى الله العبدَ الكافرَ أرسلَ إليه مَلَكَينِ، وأرسلَ إليه (¬15) بقِطْعَةِ البِجَاد (¬16) أنْتَنَ من كلِّ نَتِنٍ، وأخشَنَ من كلِّ خَشِنٍ، فقالا: أيتُها النفسُ الخَبيثَة، اخْرُجي إلى جَهنَّمَ وعذابٍ أليمٍ، وربٍّ عليكِ ساخِطٍ، اخْرُجي؛ فَساءَ ما قَدَّمتِ، فتَخْرُج كأنْتَنِ جِيفَةٍ وجَدَها أحدُكُم بأنْفِه قطُّ، وعلى أرجاءِ السَّماءِ مَلائكةٌ يقولونَ: سُبحانَ اللهِ! لقد جاءَ اليومَ من الأرضِ ريحُ جِيْفَةٍ ونَسَمَةٌ خَبيثَةٌ، فلا يُفْتَحُ له بابُ السَّماء، فيُؤْمَر بجَسَدِه فيُضَيَّق عليه في القَبْر، ويُملَأُ حَيَّاتٍ مثلَ أعْناقِ البُخْت تأكلُ لَحْمَه، فلا يَدَعْنَ من عِظامِه شيئًا، ثم يُرسَلُ عليه مَلائكةٌ صُمٌّ عُمْيٌ، معَهُم [فَطَاطِيسُ] (¬17) من حَديدٍ، لا يُبْصِرونَه فيَرْحَمونَهُ (¬*) ، ولا يَسْمَعون صَوتَه فيَرْحَمونَه (¬*) ، فيَضْربونَه ويَخْبِطونَه، ويُفْتَح له بابٌ من النار، -[359]- يَنْظُر إلى مَقْعَدِه من النار بُكْرَةً وعَشِيًّا، يسألُ الله أن يُديمَ ذلكَ عليه ولا يَصِلَ إلى ما وَراءَهُ من النَّار.
¬__________
[14174] ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/327-328) و (5/298) ، وقال: «رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات» ، وفي (5/298) وقال: «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الرحمن بن البيلماني؛ وهو ثقة» .
وذكره السيوطي في "شرح الصدور بشرح حال الموتى وأهل القبور" (ص 64-65) ، وعزاه للطبراني.
ورواه هناد في "الزهد" (168) عن يونس ين بكير، عن هشام بن سعد، به. ورواه عبد الرزاق (6702) عن معمر، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (9/60) من طريق هشام بن إسماعيل؛ كلاهما عن زيد بن أسلم، به. وقد وقع تصحيف في الإسناد في "الحلية".
(¬1) الريطة: كل مُلاءة ليست لِفْقَين؛ أي قطعتين، وقد يسمى كل ثوب رقيق: رَيطَة، والجمع رَيْطٌ ورِياط. انظر: "المصباح المنير" (ر ي ط) . والباء في «بريطة» زائدة في المفعول به (الذي هو هنا في محل نائب الفاعل) . وانظر: في زيادة الباء: التعليق على الحديث [13933] .
(¬2) لم تنقط في الأصل، وهي منقوطة هكذا في مصادر التخريج، ولعلها من أجْسدتُ الثوب ونحوه؛ أي: صبغته بالجِساد؛ وهو الزعفران. فالثوب «مُجْسَدٌ» ، ويقال فيه «مُجَسَّد» أيضًا. وانظر: "تاج العروس" و"المصباح المنير" (ج س د) .
(¬3) إلى هنا انتهى متن الحديث في "الحلية"، وأشار أبو نعيم لباقي الحديث بقوله: «الحديث بطوله» . -[356]-
(¬4) لم تنقط في الأصل، والمثبت موافق لما في "مصنف عبد الرزاق"، وتصحفت في الموضعين السابقين من "مجمع الزوائد" إلى: «يلقنانهم» ، و «يلعبان لهم» .
قال السيوطي في "شرح الصدور": «ويلغثانهم- بمعجمة ومثلثة-: يؤكّلانهم» . وفي "تاج العروس" (ل غ ث) : «اللَّغيث: الطعام المخلوط بالشعير» .
وانظر: "فتح الباري" (13/247) .
والمعنى هنا: أن الثور والحوت يؤكلان أهل الجنة كل يوم شيئًا لم يؤكلاهم إياه بالأمس. وهذا الذي يؤكلانهم إياه فيه طعوم وروائح مختلفة؛ كما سيُبيِّنه بعد بقوله: «يظل الحوت ... » إلخ.
(¬5) في الأصل: «يلعباه» ، وفي الموضعين السابقين من "مجمع الزوائد": «يلقناه» ، و «يلعباه» ، وانظر التعليق السابق.
(¬6) كتب بعدها في الأصل: «وكزة» ، ثم كأنه ضرب عليها، ولم ينقلها الهيثمي ولا السيوطي.
(¬7) أي: راعِيًا، يقال: نفَشَتِ السائمةُ تَنْفِشُ نفوشًا: إذا رَعَت ليلاً بلا راعٍ. "النهاية" (5/96) .
(¬8) في هذا الموضع من الأصل كرر قوله: «يأكل من ثمر الجنة ... » إلى قوله: «فذكاه بذنبه» ، وضرب عليه.
(¬9) إلى هنا انتهى متن الحديث في "الزهد" لهناد. -[357]-
(¬10) النَّسَمة: الإنسان، وكل مخلوق ذو روح. "تاج العروس" (ن س م) .
(¬11) تذكير الفعل هنا جائز، وانظر التعليق على الحديث [14327] . ويجوز أن يكون حمل «النسمة» على معنى «الإنسان» . وانظر في الحمل على المعنى التعليق على الحديث [13666] .
(¬12) كذا في الأصل و"مجمع الزوائد"، وفي "الزهد" لهناد و"شرح الصدور": «بقبره» ، وعند عبد الرزاق: «ويؤمر إلى قبره فيوسع ... » .
(¬13) تشبه أن تكون في الأصل: «الحرير» أو «لتحرير» ، وهي غير منقوطة، والمثبت موافق لما في "مصنف عبد الرزاق".
(¬14) في الأصل: «كثاه» ، وهي ساقطة من "مجمع الزوائد" و"شرح الصدرو"، وفي "مصنف عبد الرزاق": «كُسِي» . -[358]-
(¬15) كأنه ضرب عليها في الأصل، وهي موجودة عند الهيثمي والسيوطي.
(¬16) البجاد: الكساء. "النهاية" (1/96) .
(¬17) في الأصل: «فساطيط» . والتصويب من "مجمع الزوائد" و"شرح الصدور". و «الفطاطيس» : جمع «فِطِّيس» بكسر الفاء والطاء المهملة المشددة؛ بوزن «فِسِّيق» ؛ وهي المطرقة العظيمة. وانظر: الموضع السابق من "شرح الصدور"، و"تاج العروس" (ف ط س) .
وأما «الفساطيط» فهي جمع «فسطاط» وهو البناء من الشَّعر ونحوه. وانظر تفسيره في التعليق على الحديث [14165] .
(¬*) قوله: «فيرحمونه» كذا في الأصل وفي "شرح الصدور" للسيوطي والموضع الأول من "مجمع الزوائد". وجاء في "مصنف عبد الرزاق": «فيرحموه» وهو الجادة؛ لأنه فعل مضارع وقع بعد فاء السببية المعتمدة على نفيٍ محضٍ، فحقه النصب بإضمار «أن» . وما وقع هنا يخرج على أن الفاء ليست للسببية، لكنها لمجرد العطف؛ كما وقع في قوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ *} [المُرسَلات: 36] ، وقوله تعالى: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [فَاطِر: 36] في قراءة من قرأ: «فيموتون» بإثبات النون. والمعنى مع الرفع على أن ما بعد الفاء داخل في حَيِّز نفي ما قبلها؛ -[359]- أي: لا يؤذن لهم ولا يعتذرون، ولا يقضى عليهم ولا يموتون. والمعنى مع النصب على أن ما بعد الفاءِ مسبَّبٌ عن نفيِ ما قبلها، وعلى تقدير ما قبلها وما بعدها بمنزلة اسمين عطف أحدهما على الآخر، فقدروا مع الفعل بعد الفاء «أَنِ» الناصبة؛ لأنها مع الفعل بمنزلة الاسم.
ويخرج أيضًا على ما ذكره بعض العلماء من أن الفعل في مثل هذا السياق قد يُرفع بعد الفاء ويكون المعنى على النصب- أي: يكون الفعل مرفوعًا وتكون الفاء للسببية- وذكروا أن النحويين إنما جعلوا معنى المرفوع غير معنى المنصوب رَعْيًا للأكثر في كلام العرب.
وانظر نصب المضارع بعد فاء السببية ورفعه وشواهده، في: "كتاب سيبويه" (3/28-41) ، و"المحتسب" (1/192- 193) ، (2/201- 202) ، و"اللباب في علوم الكتاب" (6/492-493) ، (16/145- 146) ، و (20/83) ، و"البحر المحيط" (7/301) ، (8/399) ، و"شرح كافية ابن الحاجب" (4/63- 68) .

الصفحة 355