كتاب المعجم الكبير للطبراني جـ 13، 14 (اسم الجزء: 13)
14327 - حدثنا محمَّد بن إسحاقَ بن راهُوْيَه، ثنا أبي، حدثنا عَطاء بن مسلم الخَفَّاف، عن الأعمش، قال: قال أبو عبد الرحمن -[462]- السُّلَمي: شهدنا مع عليٍّ صِفِّينَ، وقد وكَّلْنا بفَرَسِه رجُلَين (¬1) ، فكانت إذا كانت من الرجُل (¬2) غَفْلَةٌ غَمَزَ عليٌّ فرسَه، فإذا هو في عَسْكَر القوم، فيَرْجعُ إلينا وقد خُضِبَ سيفُه دمًا، ويقول إذا رَجَع: يا صحابي، اعْذِروني! اعْذِروني!
وكنَّا إذا توادَعْنا دخلَ هؤلاء في عسكَر هؤلاء، وهؤلاءِ في عسكَر هؤلاء (¬3) .
فكان عمَّارُ بن ياسر عَلَمًا لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم، لا يسلُكُ عمارٌ واديًا من أودية صِفِّينَ إلاَّ تبعَهُ أصحابُ محمَّد، فانتهينا إلى هاشم بن عُتْبة بن أبي وَقَّاص وقد رَكَزَ الرايةَ، فقال (¬4) : ما لكَ يا هاشمُ، أعَوَرًا وجُبْنًا؟! لا خيرَ في أعورَ لا يغشى البَأْسَ. قال: فنَزَعَ هاشمٌ الرايةَ وهو يقول (¬5) :
أَعْوَرُ [يَبْغِي] (¬6) أَهْلَهُ مَحَلاَّ
قَدْ عَالَجَ الحَيَاةَ حَتَّى مَلاَّ
لاَ بُدَّ أَنْ يَفُلَّ أو يُفَلاَّ
-[463]- فقال له عمَّار: أقدِمْ [فإن] (¬7) الجنَّة تحت البارِقَة (¬8) ، قد تزَيَّن (¬9) الحورُ العِيْن، مع محمَّدٍ وحِزْبه! في الرَّفيق الأعلى! فحَمَلا، فما رَجَعا حتى قُتِلا.
وكنا إذا توادَعْنا دخل هؤلاءِ في عسكَر هؤلاءِ، وهؤلاءِ في عسكَر هؤلاءِ، فنظرتُ فإذا أنا بأربعةٍ يسيرون: معاويةُ، وأبو الأعور السُّلَمي، وعمرُو بن العاص، وابنُه؛ فقلتُ في نفسي: إن أخذتُ عن يمين اثنَيْن لم أسمَعْ كلامَهُم، فاختَرتُ لنفسي أن أضربَ فرسي، فأفرِّقَ بينهم، ففعَلتُ، فجعلتُ اثنَيْنِ عن يميني واثنَيْنِ عن يساري، فجعَلْتُ أُصْغي بسمعي أحيانًا إلى معاويةَ وإلى أبي الأعور، وأحيانًا إلى عَمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عَمرو، فسمعتُ عبدَالله بن عمرو يقول [لأبيه] (¬10) : يا أبةِ (¬11) ، قَتَلنا هذا الرجلَ، وقد قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال! فقال: وأيُّ رجُل؟ فقال: عمَّار بن ياسر؛/ أما سمعتَ [خ: 321/ب]
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ يوم بنى المسجدَ، ونحن نحمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وعمَّارٌ -[464]- يحملُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، [فمرَّ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تَحْملُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ] (¬12) وأنت تُرحَضُ (¬13) ؟! أَمَا إِنَّهُ سَيقْتُلُكَ (¬14) الفِئَةُ البَاغِيَةُ، وأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» ، فسمعتُ عَمْرًا يقولُ لمعاويةَ: قَتَلنا هذا الرجلَ وقد قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال! قال: أيُّ رجُل؟ قال: عمَّار بن ياسر؛ إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يومَ بنى المسجِدَ، ونحن ننقُلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وعمارٌ يحمل لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فمَرَّ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يَا أَبَا اليَقْظَانِ، أَتَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ وأَنْتَ تُرْحَضُ؟! أَمَا إِنَّهُ سَتَقْتُلكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، وأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» ، فقال معاوية: اسكُتْ، فواللهِ ما تَزالَ تَدْحَضُ (¬15) في بَوْلك! أنحنُ قتلناه؟! إنما قَتَلَهُ من جاءوا به فألقَوْه بين رِماحِنا. قال: فتَنادَوا في عسكَر معاويةَ: إنما قَتَلَ عمَّارً (¬16) من جاءَ به (¬17) .
¬__________
[14327] ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/240-241) ، وقال: «رواه الطبراني، وأحمد باختصار، وأبو يعلى بنحو الطبراني، والبزار بقوله: «تقتل عمارًا الفئة الباغية» ؛ عن عبد الله بن عمرو وحده، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات» .
ورواه الحاكم (3/387) من طريق محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، به.
ورواه الطبري في "تاريخه" (5/40-41) من طريق الوليد بن صالح، عن عطاء بن مسلم، به. وانظر الحديث [14245] . -[462]-
(¬1) أي: لئلاَّ يقاتِلَ.
(¬2) كذا في الأصل و"مجمع الزوائد"، والجادَّة: «من الرجلين» ، أي اللذين وُكِّلا بفرس علي رضي الله عنه. وعند الطبري: «فكان إذا حانت منهما غفلة» .
(¬3) يعني: أنهم كانوا إذا تركوا القتال تحدث كلٌّ من الفريقين بعضُهم إلى بعضٍ؛ كما صُرِّح به عند الطبري. وهذه الجملة ستتكرر بعد قليل، وليس هنا موضعها، بل موضعها حيث ستأتي بعْدُ.
(¬4) أي: عمار رضي الله عنه.
(¬5) من الرجز.
(¬6) رسمها في الأصل: «يبغلي» ونُقِطَتِ الغينُ فقط، ولعل الناسخ رسمها أولاً: «يبغا» ثم صوبها وألصق الياء في الألف فصارت لامًا، ولم يَمْحُهَا. -[463]-
(¬7) في الأصل: «في» ، والمثبت من "مجمع الزوائد". ولعل ما في الأصل تصحف تصحُّف سماعٍ عن: «فَالجنةُ» . وعند الطبري: «تقدَّم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف» .
(¬8) البارقة: السيوف؛ سميت بذلك لبريقها. "تاج العروس" (ب ر ق) .
(¬9) كذا في الأصل؛ بتذكير الفعل، والفاعل هنا جمع تكسير لمؤنث، وذكر النحويون جواز تذكير الفعل وتأنيثه إذا أسند إلى جمع غير جمع المذكر السالم، أو أسند إلى اسم مفرد غير حقيقي التأنيث، لكن التأنيث أرجح. وانظر: "شرح شذور الذهب" (ص200-203) ، و"أوضح المسالك" (2/104-106) .
(¬10) في الأصل: «لابنه» . والمثبت من "مجمع الزوائد".
(¬11) قوله: «يا أبةِ» لغة في «يا أبي» ، وانظر التعليق عليها في الحديث [14080] . -[464]-
(¬12) ما بين المعقوفين سقط من الأصل و"مجمع الزوائد" بسبب انتقال النظر، وأثبتناه من مصادر التخريج، ويؤيده ما سيأتي.
(¬13) «تُرحضُ» أي: تَعرق عرقًا كثيرًا. يقالُ- بالبناء للمفعول-: رُحض فهو مرحوض. وأصل الرَّحض: الغَسل، فكأن العرق لكثرته يغسله. وانظر: "تاج العروس" (ر ح ض) .
(¬14) كذا في الأصل، والجادة: «ستقتلك» بتأنيث الفعل، وما في الأصل عربي جائز، وتقدم التعليق على نحوه قريبًا. وستأتي هذه اللفظة قريبًا غير منقوطة التاء في الأصل، فأثبتناها على الجادة.
(¬15) الدَّحْضُ: الزَّلَقُ، ودَحَضَتْ رجلُه تَدْحَضُ: زلقت. ويُروى: «تَدْحَصُ» بالصاد المهملة؛ دَحَص برجله يَدْحَصُ: إذا فحص بها. وانظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (1/321) ، و"مشارق الأنوار" (1/254) ، و"النهاية" (2/105) ، و"تاج العروس" (د ح ص، د ح ض) .
(¬16) كذا في الأصل، والجادة: «عمارًا» ، وما في الأصل يوجَّه على حذف ألف تنوين النصب على لغة ربيعة المتقدم التعليق عليها في الحديث [13681] .
(¬17) قال الذهبي في "تلخيص المستدرك" مبيِّنًا ضعف هذا الحديث: «قلت: وهو- كما ترى- خطأ؛ فأين كان عمرو وابنه يوم بناء المسجد؟! وعطاء ضعفه أبو داود» .