كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 114 """"""
ذكر حادثة السيل بدمشق
وقي ثاني عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة ، وهو يوم عيد عنصرة اليهود ، جاء سيل عظيم على دمشق في الساعة الثامنة من النهار ، وعلا على سور دمشق قدر رمح ، وفي بعض المواضع أحد عشر ذراعا ، ودخل من باب الفراديس بعد أن خرب حسره ، وأهرب جسر بابي السلامة وتوما ، ووصل إلى المدرسة الفلكية وصار فيها مقدار قامه وبسطه . واستمر ثلاث ساعات من النهار وهبط . وكان مبدأ هذا السيل إنه انعقد على جبال بعلبك غيم متكاثف فسمع لرعده دوى هائل في يوم السبت حادي عشر شوال ، وكان بذلك الوادي ثلوج كثيرة ، فوقع المطر على الثلوج فحلها ، وسال في يوم الأحد من جهة عين الفيجة بعد أن رمى فيها صخورا عظيمة ساقها بين يديه ، واقتلع أشجار جوز عادية ، وانتهى إلى دمشق وخرب عدة كثيرة من دور العقبية ، وخرب حيطان الميدان وقطاير البساتين ، وأهلك خلقا كثيرا من الروم والعجم كانوا قد قدموا حجاجا ونزلوا بالميدان وغرقوا عن آخهم هم وجمالهم ودوابهم ، وأغرق من الحيوانات على اختلاف أجناسها مما لا يعد كثرته ، وردم الأنهار بطين أصفر ، واقتلع الأشجار من أصولها ، ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق فما وجد بها ماء ولا حماما يدور ، وشرب الناس من الصهاريج والآبار ويقال أنه هلك بهذا السيل عشر آلاف نفس ، وأخذ الطواحين بحجارتها .
وحكي أن فقيرا يعرف بالخير حضر إلى دار نائب السلطنة بدمشق قبل هذه الحادثة وقال : " عرفوا الأمير أن أريد أعدو إلى بعلبك " . فقال له الأمير : " رح ، أجر " . وضحكوا منه فتوجه ، وعاد وهو ينذر الناس بالسيل فضحكوا منهم ولم يعبأوا بكلامه بكلامه فما أحسوا إلا والسيل قد هجم .
وفي هذه السنة : عزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكاه عن قضاء دمشق ، وخرج منها ذي القعدة . وكانت مدة ولايته عشر سنين سواء . وقلد القضاء بعده بالشام قاضي القضاة ، عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصايغ ، وكان تقليده قد كتب والسلطان على طرابلس ، وتأخر إلى أن حضر السلطان إلى دمشق ، وكان وصول السلطان إلى دمشق ، وكان وصول السلطان إلى دمشق في يوم الأربعاء خامس عشر شوال .

الصفحة 114