كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)
"""""" صفحة رقم 22 """"""
معه حتى قاربوا البيرة ، فصدمهم التتار ، فهرب سابق الدين منهم ودخل البيرة ، بعد أن قتل أكثر من معه . فكان ذلك من أكبر الأسباب التي أوجبت القبض على الملك السعيد ثم توجه التتار إلى جهة حلب ، فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار والعسكر الحلبي بين أيديهم إلى جهة حماه ، ووصل التتار إلى حلب في أواخر سنة ثمان وخمسين وستمائة وملكوها ، وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا ، واسمها قديما مقر الأنبياء ، فسماها العامة قرنبيا ، فلما اجتمعوا بها بذل التتار فيهم السيف فقتلوا أكثرهم وتقدم التتار إلى جهة حماة ، ففارقها العسكر الحلبي وصاحبها الملك المنصور إلى حمص ، واجتمعوا هم والملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص ، واتفقوا على قتال التتار ، وانضم إليهم الأمير زامل بن أمير العربان ، ووصل التتار إلى حمص ، والتقوا واقتتلوا في يوم الجمعة خامس المحرم من السنة فانهزم التتار أقيح هزيمة ، وقتل أبطالهم وشجعانهم ، فاستشهدوا فيهم بقول الشاعر :
فإن كان أعجبكم عامكم . . . فعودوا إلى حمص في قابل
فإن الحسام الصقيل الذي . . . قتلتم به يد القاتل
وقد شاهد جماعة كثيرة في هذه الواقعة طيورا كثيرة بيضاء تحوم حال القتال .
حكي عن الأمير بدر الدين محمد القيمري قال : " والله ، لقد رأيت بعيني طيورا بيضا وهي تضرب بأجنحتها في وجوه التتار " . وقد ذكر ذلك جماعة كثيرة حتى بلغ حد التواتر ، فما كان بأسرع من انهزام التتار .
قال المؤرخ : ثم اجتمع من سلم من التتار ونزلوا بسليمة ، وعادوا إلى حماة ، ورحلوا عنها إلى أفامية ، وكان قد وصل إلى أفامية الأمير سيف الدين الدبيلي الأشرفي ومعه جماعة فأقام بقلعتها وبقى بغير على التتار ، فرحلوا عن أفامية وعادوا إلى حلب ، فأخرجوا من