كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)
"""""" صفحة رقم 23 """"""
بها من الرجال والنساء ولم يبق إلا من ضعف عن الحركة واختفى خوفا على نفسه ، ثم نادوا فيهم : من كان من أهل حلب فليعتزل . فلم يعلم الناس ما يراد بهم ، فظن الغرباء النجاة لأهل حلب ، وظن أهل حلب النجاة للغرباء فاعتزل بعض كل من الطائفتين مع الأخرى بحسب ما أدى كل منهم اجتهاده ، فلما تميز الفريقان أخذ التتار الغرباء وتوجهوا بهم إلى بابلي فضربوا أعناقهم ، وفيهم جماعة من أهل حلب وأقارب الملك الناصر ، ثم أعادوا من بقي من أهل حلب إليها ، وسلموا كل طائفة إلى رجل من الأكابر ، ثم أحاطوا بالبلد ولم يمكنوا أحدا يدخل إليه ولا يخرج منه .
ثم فارق التتار حلب في أوائل جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة وكان سبب رحيلهم عنها أن السلطان الملك الظاهر جرد في العشر الأول من شهر ربيع الأول الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي والأمير حسام الدين لاجين الجو كان دار والأمير حسام الدين العين تابى في عسكر لدفع التتار عن حلب . فلما وصلوا إلى غزة أرسل فرنج عكا إلى التتار يخبرهم فرجعوا وفارقوا حلب .
ولما رحل التتار عن حلب تغلب عليها جماعة من أحداثها لخلوها من العسكر ، منهم نجم الدين أبو عبد الله بن المنذر ، وعلي بن الأنصاري ، وأبو الفتح ، ويوسف بن معالي ، فقتلوا ونهبوا ، وبلغوا أغراضهم ممن كان في قلوبهم منهم ضغائن " فلما قاربوا الأمير فخر الدين الحمصي والأمير حسام الدين العين تابى ، ومن معهما هرب هؤلاء عن حلب . ولما دخلها الأمير فخر الدين الحمصي صادر أهلها وعذبهم واستخرج منهم ألف ألف درهم وستمائة ألف درهم بيروتية ، وأقام بها إلى أن وصل الأمير شمس الدين أقش البرلي ، ففارقها .
ذكر الغلاء الكائن بحلب
قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في تاريخه : وفي سنة تسع وخمسين وستمائة بعد أن توجه التتار من البلاد الإسلامية غلت الأسعار بحلب ، وقلت الأقوات فبلغ رطل اللحم سبعة عشر درهما ، ورطل السمك ثلاثين ، ورطل اللبن خمسة عشر ، ورطل الشيرج سبعين ، ورطل الخل ثلاثين ، ورطل الأرز عشرين ، ورطل الحب رمان