كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)
"""""" صفحة رقم 29 """"""
وفي هذه السنة ، كانت وفاة الصاحب صفي الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن مرزوق العسقلاني ، وكان قد وزر للملك الأشرف ابن الملك العادل بدمشق مدة ، ثم عزل بجمال الدين بن جريد ، وكان تاجرا مشهورا بالثروة وكثرة الأموال . وكان ابتداء أمره كما حكي عنه أنه حكاه عن نفسه قال : أرسلني والدي إلى القاهرة من مصر لأبتاع له قمحا ، وكان له طاحون بمصر ، فتوجهت إلى دار بعض الأمراء فاشتريت ألف أردب بخمسة آلاف درهم ، وتسلمتها ، وبت في تلك الليلة بالقاهرة وأصبحت فتحسن سعرها فبعتها في سبعة آلاف ، فأوفيت الثمن ، وأخذت ما بقي وصرفت به مائة وثلاثين دينارا . وأتيت والدي فسألني عن القمح ، فقلت : بعته ، فقال : ولم لا أتيت به ؟ فقلت له : إنك لم ترسل معي الثمن حتى ولم تعطني دابة أركبها ، وعندك عشرين دابة ، وما هان عليك أن أركب منها دابة . وكنت قد مشيت من مصر إلى القاهرة فحقدت ذلك عليه . قال : ثم اتجرت في ذلك المال الذي ربحته من ثمن القمح فبارك الله لي فيه حتى جمعت منه ستمائة ألف دينار عينا ، غير ما اشتريت من العقار والأثاث والخدم والدواب والمسفر وغيره .
وكانت وفاته بمصر ودفنه بسفح المقطم . ومولده في شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة . رحمه الله تعالى .
وفيها توفي الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدينم خماردكين ، وهو صاحب صهيون ، وجده عتيق الأمير مجاهد الدين صاحب صرخد .
وكانت وفاته في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة بقلعة صهيون ودفن بها ، وولى بعده ولده سيف الدين محمد . وكان هو قد ولى صهيون بعد وفاته والده ناصر الدين منكورس في سنة ستة وعشرين وستمائة . وخلف الأمير مظفر الدين من الأموال ما لا يحصى كثره . حكى الشيخ شمس الدين بن الجزري في تاريخه قال : حكى لي الصاحب مجد الدين إسماعيل بن كسيرات الموصلي قال : كان مظفر الدين صاحب صهيون يحلس في كل يوم في باب القلعة ويأخذ قطعاً من الشمع ويختم عليها بختامه ، فمن كان له دعوة على خصمه أو محكاكمة جاء إليه وأحضر معه شيئاً من المأكول فيضعه في الدركاه بين يدي الأمير مظفر