كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 41 """"""
ذلك ويمنع منه ولا يجيب إليه . فألقى إلى السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه ، وأنه يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه ، فاتهمهم السلطان في ذلك ، وطلب منهم تحقيقه عنده ، فاجتمعوا وكتبوا فتيا في مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ ، وكان قد اتصل به خبر مكيدتهم ، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتوحيده ، وأنه حي مريد سميع بصير عليم ، قدير متكلم قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق ، بل الكتابة من أفعال العباد ، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة ، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته ، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته . وأطال في الفتيا وبسط الكلام واستدل ، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، وأكابر أصحابه خلاف ذلك ، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه ، فعرضت على السلطان ، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ . فلما وقف عليها استشاط غضبا وقال : صح عندي ما قالوه عنه ، وتكلم في حقه بأشنع الكلام ، وكفره ، وكان ذلك في شهر رمضان ، وقد اجتمع على سماطه القضاة والعلماء ، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج . فقال بعضهم : السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما في مثل هذا الشهر ، وموه آخرون بكلام يوهم صحة فذهب خصمه ، ثم انفصلوا من المجلس . فنهض في ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي ، رحمه الله تعالى ، وهو عالم مذهبه في زمانه . واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس ، ووبخهم ولامهم وشدد عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح ، وقال : هذا يوهم الذنب ، ولم يزل إلى أن أخذ خطوطهم بموافقة الشيخ . فعند ذلك التمس الشيخ من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين . وقال : الذي يعتقد في السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه ، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه ، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل ، تغمده الله برحمته ، فأنه كان قد عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا وبدع بهم وأهانهم . فأجابه السلطان بخطه ما مثاله : بسم الله الرحمن الرحيم " وصل إلي ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام ، أصلحه الله ، من عقد مجلس وجمع المفتيين والفقهاء . وقد وقفنا على خطه وما أفتى به ، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن

الصفحة 41