كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 43 """"""
بهم ، وهو الحق الذي لا يجوز دفعه ، والصواب الذي لا يمكن رفعه . ولو حضر العلماء مجلس السلطان أعلم صحة ما أقول والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك . وقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته ، وإنما سكت من سكت في أول الأمر لما رأوا من غضب السلطان . ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا . ومع ذلك فيكتب ما ذكرته في هذه الفتيا وما ذكره الغير ، ويبعث إلى بلاد الإسلام ليكتب فيها من يجب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه . ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان .
وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعري يستهين بالمصحف . ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب . وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر ، وانفسخ نكاحه ، وصار ماله فيئا للمسلمين ، وتضرب عنقه ، ولا يغسل ، ولا يكفن ، ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، بل يترك بالقاع طعمة للسباع . ومذهبنا أن كلام الله سبحانه وتعالى قديم أزلي قائم بذاته ، لا يشبه كلام الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ولا يتصور في شيء من صفاته أن يفارق ذاته ، إذ لو فارقته لصار ناقصا ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة ، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين ولا ألفاظ اللافظين . ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين وخرج عن عقائد المسلمين بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي ، وربنا المستعان على ما تصفون . وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن . فإن الله سبحانه وتعالى أمر العلماء بذلك ، وأمرهم ببيان ما علموه . ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله .
وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس : فأصول الدين ليس فيها مذاهب فإن الأصل واحد ، والخلاف في الفروع .
ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله . والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده .

الصفحة 43