كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 44 """"""
وبعد ذلك فأنا نزعم أنا من جملة حزب الله وأنصار دينه وجنده . وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي .
وأما ما ذكر من أمر باب السلامة ، فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا من أن السلطان الملك العادل ، تغمده الله برحمته ، إنما فعل ذلك إعزازا للدين ونصرة للحق . ونحن نحكم بالظاهر والله يتولى السراير ، والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم " .
وكتب الشيخ هذا الجواب مسترسلا بحضرة رسول السلطان ، ودفعه إليه . فلما قرأه السلطان اشتد غضبه وأرسل إليه أستادداره غرس الدين خليلا برسالة ؛ وكان غرس الدين يحب الشيخ ويعتقده ، فحضر إليه وجلس بين يديه ، وتلطف به واستأذنه في أداء الرسالة ، فقال : أدها كما قبلت لك .
فقال : يقول لك السلطان : " إنا قد شرطنا عليك ثلاثة شروط أحدها : ألا تفتي ، والثاني : ألا تجتمع بأحد ، والثالث : أن تلزم بيتك " . فقال له : إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة علي ، المستوجبة للشكر لله تعالى على الدوام . أما الفتيا : فإني والله كنت متبرما بها وأكرهها . وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم . ولولا أني كنت أراها متعينة علي لما أفتيت . والآن فقد سقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي ولله الحمد والمنة . وأما ترك اجتماعي للناس ولزومي لبيتي : فهذا من سعادتي لتفرغي لعبادة الله تعالى . والسعيد من لزم بيته وبكى على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى . وهذا تسليك من الحق ، وهدية من الله تعالى إلي أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنا بها فرحان . والله لو كان عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعتها عليك ونحن على الفتوح ، خذ هذه السجادة صل عليها فقبلها الحاجب وقبلها ، وانصرف إلى السلطان وقص عليه ما قاله الشيخ . فقال لمن حضره : قولوا لي ما أفعل به ، هذا رجل يرى العقوبة نعمة ، اتركوه ، بيننا وبينه الله .
وبقي على ذلك ثلاثة أيام إلى أن ركب الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية حماره وتوجه إلى القلعة ، وكان معظما عند السلطان وقد جمع العلم والعمل ، فلما بلغ السلطان وصوله إلى القلعة أرسل خواصه يتلقونه ، وأمرهم أن يدخلوا به إلى داره على حماره ففعل . ولما رآه السلطان وثب إليه وتلقاه ، وأنزله عن حماره وأجلسه على تكرمته واستبشر به . وكان ذلك عند غروب الشمس . فلما أذن

الصفحة 44