كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 45 """"""
المؤذن وصلوا المغرب قدم السلطان إليه شرابا وناوله إياه بيده . فقال : ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك . فقال : يرسم الشيخ ونحن نمتثل أمره . فقال : أي شيء بينك وبين ابن عبد السلام ؟ هذا رجل لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به سائر الملوك . قال : عندي خطه باعتقاده في فتيا ، وخطه أيضا في رقعة جواب رقعة سيرتها إليه . فيقف الشيخ عليهما ويكون الحكم بيني وبينه . ثم أحضر الورقتين فقرأهما الشيخ وقال : هذا اعتقاد المسلمين و شعار الصالحين ونفس المؤمنين ، وكل ما فيهما صحيح ، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار . فقال السلطان : نحن نستغفر الله مما جرى ، ونستدرك الفارط في حقه ، والله لأجعلنه أغنى العلماء .
وأرسل إليه واسترضاه ، وطلب محاللته ومخاللته . وتقدم السلطان إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام وألا يفتي أحد فيها بشيء سدا لباب الخصام . ثم وصل السلطان الملك الكامل إلى دمشق . وكانت الواقعة قد اتصلت به ، فرام الاجتماع بالشيخ فاعتذر إليه ، فطلب أن يكتب له سورة الواقعة مستقصاة ، فأمر ولده الشيخ شرف الدين أن يكتب ذلك من أوله إلى آخره ففعل . وأرسله إلى الملك الكامل فقرأه وكتمه . ثم سأل أخاه الملك الأشرف عن الواقعة . فقال : منعت الطائفتين من الكلام في المسألة ، وانقطع بذلك الخصام . فقال له السلطان الملك الكامل : ليست هذه سياسة حسنة ، نساوي بين أهل الحق والباطل ، وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتأمرهم أن يكتموا ما أنزل الله إليهم . كان الطريق أن تمكن أهل السنة أن يلحنوا بحججهم وأن يظهروا دين الله ، إلى غير ذلك من الكلام . وتحقق الملك الأشرف صحة ما قاله الشيخ وصرح بخجله منه ، وصار يترضاه ، ويعمل بفتاويه ، ويأمر أن يقرأ عليه تصانيفه الصغار مثل : الملحة في اعتقاد أهل الحق ، ومقاصد الصلاة ، وكرر قراءتها عليه في يوم ثلاث مرات .
واستمر الحال على ذلك إلى أن مرض الملك الأشرف مرضة موته . وأرسل أكبر أصحابه إلى الشيخ وقال : قل للشيخ محبك موسى بن العادل أبي بكر يسلم عليك ويسألك أن تعوده وتدعو له وتوصيه بما ينتفع به غدا عند الله تعالى . فأبلغه الرسول الرسالة ، فتوجه إلى السلطان فسر برؤيته ، وقال له اجعلني في حل ، وادع لي ، وأوصني ، وانصحني : ففعل الشيخ ذلك ، وتحدث معه في أشياء منها : إبطال

الصفحة 45