كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)

"""""" صفحة رقم 5 """"""
الظلم والسلطنة في غيرهم ، فكيف وقد صارت فيهم . فعاملهم السلطان بما سرهم به ، وهو أن الملك المظفر كان قد جدد على الناس حوادث في سنة ثمان وخمسين وستمائة : منها تصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ زكاتها ، وأخذ ثلث الترك الأهلية ، ومضاعفة الزكاة ، وجباية الدينار من كل إنسان ، ومبلغ ذلك ستمائة ألف دينار . فأبطل السلطان " بيبرس " ذلك ، وكتب به توقيعا قرىء على المنابر ، فطابت قلوب الناس .
قال : ولما أصبح السلطان " بيبرسط في يوم الأحد جلس بالإيوان بقلعة الجبل وحلف العساكر لنفسه ، واستناب مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزنداروأقر الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب في الأتابكية .
وكاتب الملوك والنواب والأمراء بالممالك الشامية يخبرهم بما جدده الله تعالى له من أمر السلطنة ، ويطلب منهم بذل الطاعة والموافقة
واستهلت سنة تسع وخمسين وستمائة
في هذه " السنة " كان للسلطان في ابتداء سلطنته أخبار متشعبة متباينة : منها ما هو في حضرته بمقر ملكه بالديار المصرية ؛ ومنها ما هو بدمشق ، ومنها ما هو بحلب ، وكل ذلك في هذه السنة ، وبعضه في أواخر سنة ثمان وخمسين .
وقد رأينا أن نبدأ من ذلك بما كان في مقر مملكته في بعض هذه السنة خاصة ، ثم نذكر ما كان بدمشق وحلب من الحوادث والوقائع إلى أن استقرت قواعد سلطنته وتأكدت أسباب دولته ، ثم نذكر ما يشمل المملكة عموما ، ثم نذكر بعد ذلك ما اتفق " له " من الأحوال ، وما رتبه من الأمور ، وما أمر به من العمائر والأوقاف وغير ذلك بمصر والشام ، ونذكر الأخبار والوقائع على حكم السنين نقدم ما قدمه التاريخ ونؤخر ما أخره .
لا نستثني مما نورده من أخبار دولته إلا الغزوات والفتوحات : فإنا نذكرها مفردة ، ونختم بها أخبار دولته ، فإنها من الفتوحات الجليلة والغزوات المشهورة فأحببنا إيرادها في موضع واحد ، لئلا تنقطع بغيرها من أخباره ، على ما تقف على ذلك إن شاء الله تعالى .

الصفحة 5