كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 30)
"""""" صفحة رقم 74 """"""
النصارى يفعلون ذلك لأجل ما فعله السلطان ببلاد الفرنج من إحراق الكنائس . فجمع السلطان عند عوده من الشام النصارى واليهود وأنكر عليهم هذه الأمور التي تفسخ عهودهم ، وأمر بتحريقهم ، فجمع منهم عالم كثير تحت القلعة وأحضرت الأحطاب والحلفا . فسأل أهل الذمة مراحم السلطان ، فقرر عليهم حمل خمسمائة ألف دينار إلى بيت مال المسلمين ، والتزم بتوزيعها واستخراجها بطرك النصارى ، والتزموا أنهم لا يعودون إلى شيء مما كانوا يعتمدونه من المنكرات ، ولا يخرجون عن الذمة وشرطها وحمل المال المقرر شيئا بعد شيء .
وفي هذه السنة ، اعتقل السلطان الأمير نور الدين زامل بن علي ، وكان قد حصل منه إساءات وفتن مرة بعد أخرى . وقبض السلطان عليه ثم أطلقه وأصلح بينه وبين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا والأمير أحمد بن حجي ، والأمير هارون ، وحلفهم ، وأعاد إقطاع زامل إليه وإمرته . فلما توجه لم يتأن إلى أن يصل البلاد بل ساق من أوائل الرمل " وهجم على بيوت عيسى " وافسد ، وأمسك قصاد السلطان ومملوك الأتابك المتوجه إلى شيراز ، وأخذ منهم الكتب ، وتقرب بها إلى هولاكو ، وتوجه إليه وأطمعه في البلاد فأعطاه إقطاعا في العراق . وتوجه " زامل " إلى الحجاز فنهب وقتل وانتهك حرمة الأشراف ، وحضر إلى أوائل الشام . وكان السلطان قد أعطى إقطاعه وإمرته لأخيه أبي بكر ، فراسل زامل السلطان في طلب العفو ، فتقرر حضوره في وقت معلوم وأنه متى تأخر عنه ليس له عهد ولا أيمان ، فتأخر عن المدة المعينة ثم وصل فاعتقله السلطان .
وفيها : حضر السلطان نعجة قد ولدت خروفا على صورة الفيل له خرطوم طويل وأنياب وإلية خروف . وفيها : جهز السلطان الأخشاب والحديد والرصاص والآلات والصناع ، فكانوا ثلاثة وخمسين رجلا لإتمام عمارة الحرم الشريف النبوي . وأنفق فيهم الأموال وجهز معهم المئونة ، وندب لذلك الطواشي شهاب الدين محسن الصالحي ، ورضي الدين أبا بكر ، والأمير شهاب الدين غازي بن فضل اليغموري مشدا ، ومحيي الدين أحمد بن أبي الحسين بن تمام طبيبا إلى البيمارستان الذي بالمدينة ، ومعه أدوية وأشربة ومعاجين ومراهم وسكر لأجل من يعتريه من الجماعة مرض . وكان خروجهم من القاهرة في سابع عشر شهر رجب . ووصلوا إلى المدينة في ثاني شوال . واستمر العمل في العمارة إلى سنة سبع وستين وستمائة . وكان السلطان يمدهم بما يحتاجون إليه من النفقات والآلات .