كتاب محمد تقي العثماني القاضي الفقيه والداعية الرحالة

وأول محطاته في ساحة الصحافة هي مجلة (البلاغ) الشهرية، فقد
غرس نواتها بيده عام 967 ام فأنبتها الله نباتاً حسناً، فعادت شجرة وارفة
الظلال، يانعة الثمار بفضل جهود مديرها، فجعل عباد اللّه يأوون إلى
أفيائها بعدما اكتووا بشواظ الصحافة المعاصرة المتمرّدة، وبعدما سئموا
صيحات تلبس الحق بالباطل.
ومما نلمسه من خلال ما كتب مدير (البلاغ) بادى ذي بدء أنه لم
ينزل إلى مضمار الصحافة إلا بعد أن وضع لنفسه مبادى يتقيد بها، وحدد
أهدافاً واضحة وخططاً مهمة جلية، وحمل رسالة جليلة المعالم ليؤديها
عن طريق الصحافة والإعلام، وأنه لا يرى الصحافة إلا أداة مؤثرة للدعوة
إلى الفضيلة، والصدق، والأمانة، ووسيلة لملاحقة ما يدور هنا وهنالك
من كذب وتشويه للثوابت، وتزيين للباطل، وفي الوقت نفسه يصرّح بأنه
لا يرجو من عمله في الصحافة أن يلقى ترحيباً حارّاً من القراء، وإنما يبتغي
بذلك وجه الله تعالى، وخدمة الإسلام، وتقوية وحدة المسلمين، وتقدير
الجهود المبذولة من الجهات المختلفة في خدمة الإسلام مهما كانت
وأينما كانت. يقول في أول مقال له في (البلاغ):
"وإن أمام (البلاغ) أعمالاً وأهدافاً إيجابية، وإنها لن تتعرض
لتصعيد الفرقة الطائفية والعرقية، بل ستبذل قصارى جهودها لفلّ حدّتها،
وكسر سورتها، وإنها تنظر إلى كافة الجهود المبذولة في خدمة الإسلام
بعين التقدير والإجلال، وإن مهمتها النصيحة لكافة الناس مسلمهم
وكافرهم.
ولكن ليس معنى هذه المهادنة أن نستسلم لكل ما يدور حولنا، وأن
(البلاغ) لا يكون لها أي دور في نقد شيء، فليعلم القراء أن مهمة (البلاغ)
الجوهرية وإن كانت تدور حول أمور إيجابية، غير أنه لا مفرّ في مجال
70

الصفحة 70