كتاب سعيد الأفغاني حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذتها

قرن ثم مضى لم يعطه أحدٌ شيئاً. .!! وقدّر له غيرُنا علمه وفضله فانتخبوه
عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
لقد شهدته في عشرات المواقف، فشهدت فيه الرجل الذي يخشى
الله، ولا يخشى الاذى من الناس، ورأيت فيه الإنسان النبيل والأخ الوفي،
وحسبي مما شهدت الحادثة التالية:
تقدم أحد زملائي للتعيين في قسم اللغة العربية فرفض الأستاذ
الأفغاني تعيينه، لأنه لم يكن مقتنعاً بصحة تعيينه لعدم انطباق الشروط
المطلوبة عليه، واستطاع ذلك الزميل أن يلفّ ويدور، فصدر قرارُ تعيينه،
واستقبلناه في قسم اللغة العربية، وكانت علاقته بالأستاذ علاقة طبيعية
قائمة على المودة والاحترام.
وفي ظروف عصيبة مزَت بها البلاد فوجئنا في القسم بتسريج ذلك
الزميل وفصله من العمل، ولم يكن له مورد غير مرتّبه الجامعي، وكانت
عنده زوجة وأولاد. لم يمض على تسريحه يومان حتى طرق الأستاذ
الأفغاني بابه، ولم يكن زاره في حياته، وجاءه مُطمئناً له ألا يفلق على
الرزق، وعرض عليه أن يقاسمه مرتبه الجامعي شهرياً حتى يجد عملاً
جديداً يستريج إليه في داخل الفطر أو خارجه.
لقد زرت ذلك الزميل بعد خروج الاستاذ الأفغاني من عنده،
فحدثني بما جرى والدمع يملا عينه وهو يقول: "والله يا مازن ما كنت أظن
ان هذا الرجل الصلب يملك مثل هذا القلب الرقيق ".
لقد كان سعيد الأفغاني يحب الحرية، ويؤثر الحق، ويتمسك
بالعدل، وكان شديد الكره لما يراه من انحراف المنحرفين، وتزوير
المزوّرين، وكان شديد الكراهية لأولئك الذين يلبسون لكل أناس
ما يعجبهم، وينطقون في كل مجتمع بما يرضيه، وكان لا يفتأ يصزح
29

الصفحة 29