كتاب سعيد الأفغاني حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذتها

كتابه عن (الإسلام والمراة) إشارةً عارضة سريعة.
وامتلأت نفس الأستاذ الأفغاني اسفاً وحسرة وهو يرى جهود عشر
سنوات تغيبُ تحت الماء، ويذهب بها الفيضان، ثم لم تلبث تلك النفس
ان امتلأت همَة وعزيمة، ولعل استاذنا تذكر آنذاك مصيبةَ صديقه النحوي
ابن هشام - صاحب مغني اللبيب - الذي ضاع كتابه (المغني) بعد ان انتهى
من تأليفه في مكة، فعزم على إعادة تأليفه من جديد، وحبسَ نفسه حتى
اعانه الله وحقق رغبته، واحيا كتابه الذي ما زالت تعيشُ على علمه أجيالُ
اليوم.
وعكف الأستاذ الأفغاني على الكتاب من جديد، واعاد كتابته، ولا
يعرف ما تحتاج إليه إعادة تأليف كتاب ضاع مع جهود عشر سنوات إلا مَنْ
أصيبَ بذلك أو ما يشبهه. . . في عصر لم تكن للمؤلف فيه آلاتٌ تنسخ أ و
تطبع، ولا تقنيات تعينه على ما يريد. . إن الأسف على ماضاع يرافق كل
كلمة يكتبها المؤلف من جديد، مما يدعو إلى الحسرة والساَمة والملل،
ويستدعي أضعاف ما يستدعيه التاليف البكر من هفَة وعزيمة.
وهكذا ولد الكتاب من جديد بفضل ما اتصف به مؤلّفه من حزم
وإرادة وشدة أخذ بها نفسه.
وأما الرجال الذين كان أستاذنا على صلة بهم؟ ففد حذَدتهم طبيعة
الصلة نفسها، إذ لم تكن للأستاذ الأفغاني صلات اجتماعية واسعة تتعدى
صلات العمل والعلم، لقد قصر نفسه على عدد قليل ممن كان يالفهم
ويحضر مجالسهم على نحو ما رأينا في حياته، وما سنرى من أحاديث
الأستاذ الطنطاوي عنه.
وأما الصلات العلمية فقد كانت واسعة مستمرة، وكانت صلة علمية
بعدد كبير من رجال العلم في عصره، وقد احتفظ رحمه الله بعدد من
رسائلهم في مكتبته.
36

الصفحة 36