كتاب محمد يوسف موسى الفقيه الفليسوف والمصلح المجدد

89 - هاذا كان الاجتهإد هو قاعدة التجديد، ومنطلق التطوير، والقوة
المحركة في الإسلام، فإن الأحكام الشرعية كلها ليست مجالاَ للاجتهإد، فما
كان منها متعلقاَ بحقائق ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير بحسب الأزمنة والأمكنة، ولا
التصورات الشخصية، فليست مجالاَ للاجتهإد، فهي أحكام قطعية ثبتت بالدليل
الذي لا يحتمل تاويلاَ ولا شكاَ، وهي لهذا ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان،
كالعقائد وما يتصل بها، وكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كفرض
الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحرمة الزنا والخمر والربا، إلى غيرها من
الأحكام التي لا تتغير أبداَ.
اما الأحكام الظنية، وهي التي لم ترد على النحو الذي وردت به الأحكام
القطعية من ثبوتها بالدليل الثابت الذي لا يحتمل تاويلاَ ولا شكاَ، ومن ثباتها
على مر العصور والازمان، وهذا النوع من الأحكام هو مجال إلاجتهإد في
الشريعة الإسلامية.
ويعد ما لا نص فيه من الأحكام بصورة صريحة أو مباشرة المجال الفسيج
للاجتهإد، وهذا النوع من الأحكام يتجدد ويتنوع باختلاف المكان والزمان.
فالدعوة إلى التجديد والتطوير لا علاقة لها بالأحكام القطعية، وإنما
مجالها الأحكام الظنية والمعللة، وما لا نص فيه اصلأ، وغالباً ما تكون هذه
ا لأحكام خاصة بالمعاملات دون العبادات.
والتجديد الفقهي تحكمه ايضاَ الضوابط العلمية الخاصة بثروط الاجتهإد
وهي شروط ليست تعسفية، ويقضي بها العقل والمنطق، كما تحكمه الأناة
والدراصة التي تجنح إلى التريث والدقة وعدم الطفرة؟ لأن الحرص على التغيير
والتطوير لا يحقق الغاية منه إلا إذا قام على تخطيط علمي مدروس، يراعي كل
الظروف، ويوْثر التاني، ويرفض الطفرة، لأنها لا تتمخض في كثير من الأحيان
إلا عن ابتسار للفكر، وتشتت في الجهد، وقد تنتهي إلى عكس الهدف الذي
يتغيا 5 الاجتهإد والتجديد.
76

الصفحة 76