كتاب محمد يوسف موسى الفقيه الفليسوف والمصلح المجدد
ومن هذه الفضائل التي انقلبت إلى وبال على العالم الإسلامي فضيلة
الزهد في الدنيا والإقبال على الاَخرة كما تحدث عنها الإمام الغزالي ومن نحا
نحوه؟ لان ما دعا إليه هذا الإمام وغيره لا يتفق والدين والعقل، فالإسلام دين
الوسطية والاعتدال، لم يوجب التقشف، ولم يحرم التمتع بما أودع الله من خير
في باطن الأرض وعلى ظهرها: " تُل مَن حَرمَ زِينَةَ اَدلهِ اَلَقَ أَخْرجً لِبَاصوءوَألطَئبَف
مِنَ اَلررق " 1 الاعرإف: 32).
كذلك اخذ على الإمام الغزالىِ ما ذهب إليه من أن المرء قد ينجح في
حياته، وهو لم يتخذ للنجاح أسبابه الضرورية (1)، وبين أن في هذا مخالفة لسنة
الله في الكون، وشاهد على ضعف الإيمان، ودعوة إ لى السلبية وإ لاتكالية.
إن الإسراف في الدعوة إلى الزهد والقناعة، وعدم الأخذ بالأسباب جلب
على الأمة الكسل والإهمال وعدم التطوير والتجديد والبناء المفيد سواء في
مجال الإنتاج الزراعي والصناعي أو الدراسات العلمية التي خلفها لنا الأسلاف،
فلم يطرأ على الثروة تنمية جوهرية، وظلت وسائلنا للزراعة، والصناعة،
تقليدية، ومن ثم لم يعد الإنتاج كافياَ لحاجة الأمة الغذائية وغيرها.
اما ما ورثناه عن السابقين من علم وفن فلم نعمل على تمحيصه وتجديده
حتى صار منا ونحن نعيش في القرن الرابع ع! ر الهجري من يعيش بعقلية عصر
الجمود والتقليد، فهو غريب عن العصر الذي يعيش فيه.
إن الاعتقاد بأن القناعة كنز لا يفنى، وانها فضيلة من أهم الفضائل امات
في الامة الهمم والعزائم، وكان عاملاَ من عوامل التثبيط والركود والتخلف
والضعف، الذي جلب علينا الاحتلال والاستغلال.
9 0 1 - ويستدرك الدكتور موسى في ثورته على أخلاق الزهد والقناعة
بقوله: "لست ادعو بهذه الكلمة إلى ان يكون المرء شرهاَ لا يقف عند حد في
(1) إنظر مجلة الرسالة، العدد (861)، ص 7.
95