كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر

يا ارض اندلس
قصد ناصر الدين الأسد إسبانية بعد حرب حزيران 967 1 م، وذهب من
مدريد إلى الجنوب متشوقاَ لرؤية بقايا المجد الأندلسي العابر. وصادف وصوله
قُرطبة يوم عيد ديني اجتمع فيه الستاح من مختلف أصقاع الدنيا يتحذَثون
بلغات متباينة. فافتقد قومه ولغته بين تلك الأقوام، فقال:
ما لي أُكئمُ لوعتي وأداري وأهيمُ ملهوفاَ بغير قَرارِ
وأغالبُ الشوقَ الحبيس تجالُداَ أخشى على نفسي انكشافَ سِتاري
أفما يحق لِيَ التفجُعُ والأسى: بلدي هنا وانا غريب الدارِ؟
لا الئاسُ من أهلي ولا يمعيماؤهم منهمْ ولا أوطارهمْ أوطاري
نقَبتُ بينهمُ لعفي واجد أحداَ يُنبهشي عن الأخبارِ
فأجابني الصمتُ الحزينُ منبهماَ: قومي غدَوا أثراَمن الاثارِ
أينَ الذينَ قضيتُ عُمري بينهمْ
وملأتُ وجداني بطيفِ خيالهمْ
وحَييتُ فيهم قارئاَ مُتَمَعناَ
وصَحِبتُهمْ في بؤسهمْ ونعيمهمْ
ومشيتُ خلفهُمُ أتابعُ خَطْوَهمْ
إني أصبتُ مع الأوائلِ منهمُ
رافقتهمْ عبر العصور فكانَ لي
أدْنى البعيدَ كأئه لِي ماثل
يا من يعرُ عليئ أن القاهمُ
57
مذْ كنتُ طفلاَ ناعمَ الأظفارِ
وروَيْتُ عنهمْ أعذَبَ الأشعارِ
أتلو مفاخرهم على الشُفَارِ
وتقلبِ الأحوال والأقدارِ
لَمْ أُلقِ بعدَهمُ عصا التسيارِ
أجرَ الجهادِ وصحبةَ الأبرارِ
متنُ الخيال مطئةَ الأسفارِ
وطوَى الزمانَ بليلةِ ونهارِ
تحت الثرى متوشَدي الأحجارِ

الصفحة 57