كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
وزينتهن ومجالس غنائهن، وبنصيب كبير كذلك من الرقيئَ الفني في غنائهن
والحانهن، واستشف صورة هذا الرقي الحضاري في المظاهر المادية والفنية
معاً، من الشعر الجاهلي، وبعد أن ناقش كثيراً من الروايات التي تؤئد هذه
النتيجة التي وصل إليها، وفند كثيراً من الروايات الأخرى التي تنقض في ظاهر
تلك النتيجة - رخح آخر الأمر أن قيان الجاهلية كن يغنين غناءً ذا إيقاع فني، وأن
ألحانهن كانت تقوم على نظرية غنائية لها طريقتان: ال! ناد والهَزَج 0 أما السناد
فهو الألحان الثقيلة ذات التراجيع الكثيرة النغمات والنبرات، وأما الهزج فهو
الألحان الخفيفة الراقصة (1).
وأما الأثر الأجنبي في غناء القيان، ففد رآ 5 ينصمث في أربعة جداول:
فارسي، ورومي، وحبشي، وديني من اليهود والنصارى. وقد ذكر في كل
جدول بعض المظاهر العامة التي تكشف عن أثر 5 في غناء القيان وفي العصر
الجاهلي. ثم أشار إلى ان هذه المؤثَّرات الخارجية لم تُفْقِد الغناء صبغته
العربية، ولم تنفِ عنه طابعه العربي (2).
وحاول بعد ذلك ان يستبين المنبع الأول، الذي انبثق منه الغناء عند عرب
الجاهلية - وهو نفسه عند سائر الأمم - فذهب إلى ان الغناء الديني هو أول مظهر
من مظاهر الغناء، وأن الغناء في سائر ضروبه في العصر الجاهلي وهي: غناء
الحرب، والنواح، وغناء الحفلات الخاصة كالعرس والخرس والإعذار، لم
يكن في أصله فئاً يُقصد لذاته، ويطلب للهو والتسلية وترويج النفس، وإنما كان
مع الرقص شعيرة دينية من شعائر هذه المناسبات تصاحب القربان وتلازمه0
تلك هي مرحلته الأولى حين كانت البيئة بدائية فطرة، وكلما تقذَم الزمن
وتطؤَر المجتمع انفصلت نواحي حياته التي كانت متشابكة متَحدة، وانفصلت
بذلك تلك العادات التي ترشبت إليه، فاستقالَت في صور وأشكال نُسي معناها
(1)
(2)
ص 95 - 128.
ص 129 - 138 0
66