كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
القديم، وصارت غاية تُطْلَب بعد أن كانت وسيلة سيمَوَسَّلُ بها إلى غيرها. ومن
هنا تطور الغناء مع تطور الزمن والبيئة، فدخل في المرحلة الثانية حين بقي في
نطاق هذه المناسبات، ولكنه صار فنَّاً قائماً بذاته، بعد ان كان في أصله شعيرة
دينية.
المرحلة الثالثة للغناء، باعد فيها الغناء ما بينه وبين أصله، وانفصل عن
هذه المناسبات التي لازمها ولازمته، وتجزد من ثوبه الديني الذي لبسه طوال
هذ 5 الحِقَب، فبدا لنا في لباس رقيق شفّاف، هو إلى العُرْي أقرب، يظهره لنا
غناءً فنياً قد برى مما شابه من معان ودلالات، وانسل من نطاق هذه المناسبات
المحدودة المعدودة إلى فضاء رحيب انطلق فيه من عقال روالسب الماضي،
فصار فئاً يُقْصَد لذاته، ويُطْلَب للهو والمتعة وترويح النفس، وبذلك كشف فيما
بدا للمؤلف عن العلاقة بين غناء القيان وأضرب الغناء الأخرى، وأبان كيف
تسلسل منها وانشقَّ عنها. وبهذا الفصل ا لثالث ينتهي ا لباب ا لا ول من ا لبحث (1).
وبفصول هذا الباب تكتمل بين أيدينا هذه الصورة الحضارية الزاهية التي
تلألأت فيها قيان الجاهلية برقيّ الحانهن، وعذوبة أصواتهن، وتألُّق زينتهن،
وازدهار مجالس غنائهن، وقد انتهى من ذلك إلى إ ثبات وجود نظرية غنائية فنية
في الجاهلية، تقوم على طريقتين أساسيتين هما ال! ناد والهزج، وفنّد الفكرة
الغالبة عند جُلّ من اشار إلى هذا العصر والغناء فيه أنه عصر بدائي، لم يعرف من
الغناء إلأصُوَرَه الساذجة الغليطة، وبحثه هذا وما انتهى منه جديد غير مسبوق.
وتتبَّع في فصول الباب الثاني أثر القيان وغنائهن في الشعراء الجاهليين
وشعرهم، وعقد الفصل الأخير منه للحديث عن الأعشى شاعر القيان وأثر
غنائهن فيه وفي شعره، فوجد في الفصل الأول ان اثر القيان في الشاعر الجاهلي
ينسرب في شِعْبَين كبيرين، أولهما: اثز عاثم في حياة الشاعر وتوجيهها في بعض
فتراتها وجهة ناعمة لاهية، قد تغلو فتصبج ماجنة داعرة، وثانيهما: اثرٌ خاصنٌ
(1) ص 139 - 159.
67