كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
التجربة عملياً ليقيم البرهان على صحة ما يذهب إليه. ومن اجل ذلك تجثبت أ ن
ألقي الأحكام إلقاءَ عاماً قاطعاً، لىنما سقتها في صيغ ترجيحية غالبة.
ومع هذا كله، ففي البحث حمإسة احياناً، دمالحاح على مسائل بعينها
أحياناَ اخرى، ولكن ذلك كله إنما هو نتيجة طبيعية لاحقة، وليس مقدمةَ مفتعلةً
سابقة، فإن من الطبيعي في المنهج العلمي نفسه ان يندفع الباحث - في غير
مغالاة ولا إسراف - في حمإسته وآرائه بعد ان يكون قد وصل - عن طريق هذا
المنهج العلمي - إلى ادلة يقتنع بصوابها، وحجج يطمئن إلى سلامتها، فيؤكّدها
كفما سنحت له فرصة للتاكيد، ويلح عليها كلَما أمكنه الإلحاح. وأحسب أ ن
الفرق واضح بين الحماسة البصيرة للرأي، حين يصل إليه المرء بعد بحث وتحزً
وتحقيق، وبين التعصُب الأهوج للفكرة، التي يدخل المرء بها في بحثه ابتداء.
فالحماسة الأولى من امارات الحياة السليمة في البحث والباحث، والتعقُمب
الثاني من علامات عجز الفكر وضيق الأفق.
ومن هنا أرجو الأَ أبعد عن الحق حين اقول: إن كل راي في هذا الكتاب،
قد قامت من بين يديه وفرة من النصوص قادت إليه وانتهت به، وان النص هو
الذي وخه البحث إلى ما فيه من آراء، وليست الاَراء هي التي وجهت البحث إلى
النصوص: يجتلبها، ويقتنصها، ويستكثر منها، ويقسرها قسراَ لما يريد " (1).
ويذكر المؤثف في المقدمة العناء الكبير في بحثه، لان الحديث عن
الجاهلية - في المصادر العربية - لم يكن يُقْصَد لذاته، فتُسْبَرَ أغواره، ويلمّ
شتاته، إنما كان حديثأ عابراً.
ولم يقف المؤثف ببحثه عند حدود الجاهلية، إنما تجاوزها حتى شمل
القرون الثلاثة الأولى للهجرة، ليصل بالشعر الجاهلي إلى مرحلة التدوين
العلمي عند رجال الطبفة الأولى من الرواة العلماء، ثم تلاميذهم من رجال
الطبقة الثانية والثالثة.
(1) ص 8.
74