كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر

وهذا البحث على تشعُّب طُرُقه وتباعد أطرافه -كما يقول المؤلَف-
وحدة عامة تنتظمه كفه: تقزَب منه ما تباعد، وتجمّع ما تفزَق. وأبان أن لهذه
الوحدة العا مة دعائم، ترتكز عليها وتقوم بها:
أولها: أن هذا الموضوع يدور في نطاق معين من الزمن والمكان
والسكان، فكان لا بدَ له من أن يمفد بين يدي بحثه بتحديد معالم هذا الإطار.
وخلص من كل ذلك إلى أن موطن العرب في جاهليتهم كان متفاوتاً في طبيعة
أرضه، وفي طبيعة مُناخه، وفي طبيعة سكَّانه. أما السكان أنفسهم فكانوا
طوائف ثلاثاً: أعراباً مُوغِلين في الصحراء، يرتادون الكلأ، وينتجعون القَطْر،
ويحيون حياة لا تكاد تعرف من أسباب الحضارة والمدنية شيئاً. ثم سكان
الحواضر من أهل المدر، الذين كانوا يحيون حياة مستقرة ثابتة في المدن
والقرى في داخل الجزيرة العربية وأطرافها: في مكة، والمدينة، والطائف،
والحيرة، والأنبار، وقرى اليمامة. ثم طائفة ثالثة هم سكان البادية الذين ابتعدوا
عن جوف الصحراء واستوطنوا مشارف المدن والقرى في ظواهرها وضواحيها،
يحيون حياة فيها شيء من الاستقرار، وشيء من الأخذ بأسباب الحضارة
والمدنية.
وأبان أيضاًان القبيلة العربية نفسها لم تكن شيئاً غير هذا بل إن هؤلاء
العرب بطوائفهم الثلاث، لم يكونوا إلآَ قبائل عربية، فليست القبيلة كلها إذن
أعراباً موغلين في الصحراء، بعيدين عن كل اسباب الحضارة والمدنية، إنما
كانت القبيلة الواحدة في الجاهلية كما في صدر الإسلام، ثلاثة أقسام: قسم
مازال ضارباً في جوف الصحراء، وقسم تحضَّر واستقر وسكن المدن والقرى،
وقسم بين هذين القسمين: يبتعد عن جوف الصحراء، ولكنه لا ينزل قلب المدن
والقرى، إ نما يستوطن باديتها وظاهرها.
وتوشع المؤلّف فذكر أن القبيلة العربية الواحدة، انقسمت في دينها - كما
انقسمت في موطنها وحياتها الاجتماعية - ثلاثة أقسام: فقد كانت أكثر القبائل
في الصحراء وثنية مشركة، وكان كذلك بعض هذ 5 القبائل في ا لبادية وا لحواضر،
75

الصفحة 75