كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر

ولكن من هذه القبائل نفسها من كان يعبد الله، إما لأنه دخل في النصرانية أ و
اليهودية، وإما لأنه مازال مقيماَ على بعض دين إبراهيم، فاليهود والنصارى في
بلاد العرب كانوا في اكثرهم قبائل عربية تهؤَدت أو تنصَرت.
وكانت هذه المدنية التي عرفها سكان الحواضر وقُطَان البوادي المطيفة
بها - على تفاوت نصيبهم منها في الجاهلية الأخيرة القريبة من الإسلام - نتاجَ
عاملين كبيرين: عامل تليد موروث يحشُون به ولايكادون يستبينونه في وضوح،
ويدركون اطرافاَ منه، ولكنهم لا يقوَوْن على بعث الحياة فيه، وكانت آثار هذه
المدنية الموروثة وشواهدها ماثلة امام اعينهم، يرونها في حِفَهم وترحالهم،
حتى إذا نزل القرآن ذكرهم بها واستمذَ منها العظة والعبرة. وعامل طريف
مقبوس يستمدونه من اتصالهم الوثيق بالحضارات القائمة من حولهم، في بلاد
فارس والروم ومصر.
ونئه المؤثف على انه لا بذَ للباحث - من أجل ذلك - من أن يتنبَه لهذه
الفروق الكبيرة في حياة العرب ومجتمعاتهم في الجاهلية، فلا يُلقي القول إلقاءَ
عاماَ يشمل عرب الجاهلية كلهم. فإن من الخطأ أن نعفَم على سكان الحواضر
والبوادي احكاماَ يتضف بها قُطَان الصحارى وحدهم، أو أن نَصِمَ اهل المدر
بالجهل والبدائية اللذين كانا من صفات بعض أهل الوَبَر. و! ان لا بدَ لسكان
الحواضر المستقرين في مدنهم وقراهم، ولقطَان البادية القريبة من الحواضر من
أن يأخذوا بنصيب متفاوت من مظاهر الحياة، التي كانت تعرفها الأمم المجاورة
لهم (1).
وكان كل ما ذكره تمهيداَ ليدخل إلى الباب الأول من الكتاب للبحث عن
أهم مظهر من مظاهر الحضارة، وهو الكتابة والتدوين فاستقرى في الفصل
الأول النقوش الجاهلية في شمالي الجزيرة العربية، وانتهى إلى أن هذا الخط
العربي - الذي عُرِف في الإسلام بالخط الكوفي - قد كان معروفاَ في الجاهلية
(1) انظر التمهيد، ص ا - 9 1.
76

الصفحة 76