كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
وكان ختام هذا الباب حديثاَ موجزاَ عن وصف الخط والكتابة في
الجاهلية. وبذلك يكون قد رجَج ثلاثة امور لها قيمتها وخطرها، أولها: قِدَمُ
معرفة عرب الجاهلية بالخط العربي معرفة لا تقل عن ثلاثة قرون قبل الإسلام،
وثانيها: نقط الحروف دماعجامها في الكتابة منذ الجاهلية نفسها، وثالثها: قيام
المدارس ووجود المعلمين لتعليم الخط وانتشار الكتابة بين عرب الجاهلية
انتشاراَ أتاح لهم أن يسجلوا بها كثيراَ من شؤونهم، وأ ن يستعملوا لذلك كثيراَ من
ا لأدوات (1).
وكان من الطبيعي بعد ذلك أن يخصص الحديث في الباب الثاني بكتابة
الشعر وحد 5. وراى ان هذ 5 الكتابة ذات صورتين مختلفتين: صورة ضيقة
محدودة، لا تعدو مجزد التسجيلِ على صحيفة واحدة، قد تزيد أو تنقص،
وسفَاها التقييد، وصورة واسعة تُضئمُ فيها هذه الصحف إلى بعضها، حتى يكون
منها كتاب او ديوان وسماها: التدوين.
ثم راى ان بين ايدينا ضربين من الأدلة على تقييد الشعر الجاهلي منذ
الجاهلية نفسها، وهما ادلة عقلية استنبإطية، وأدلة صريحة نضَئة.
اما الأدلة العقلية الاستنبإطية فأربعة: اوله استنتجه من كل ما قدَمه في
الباب الأول عن معرفة عرب الجاهلية بالكتابة، ورأى أن الشعر كان للقبيلة
وللفرد العربي في الذروة العليا من القيمة والخطر: إذ هو ديوان أمجادهم
وأحسابهم، وسجل مفاخرهم ومآثرهم. وكانت القبيلة تحرص أشذَ الحرص
على فخر الشاعر إذا كان منها، وعلى مدحه إذا كان من غيرها، وتخشى أشذَ
الخشية هجاءه، تبذل من ذات نفسها ومالها ما تطيق وفوق ما تطيق لتدفعه عن
نفسها، وكذلك كان الرجل العربي في حرصه على المدح وخوفه من الهجاء.
فإذا كان العرب أوانذاك يفئدون عهودهم ومواثيفهم ورسائلهم وصكوك
(1) ص 59 - 103.
78