كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
الثاني، فقد وجد أنه لا تستقيم لنا طرائق بحثه إلآَ إذا عئدنا من حوله سُبُل
الحديث، عن نشأة التدوين العام وأوائل المؤئَفات المدؤَنة، وذلك لأنه لا
تخصيص إلآَ بعد تعميم، فإذا كان الأصل الكلي - وهو التدوين عامة - مازال
غامض النثأة، مشكوكاً في بداياته، منكوراً قِدَمُهُ وسبقه، فإن الفرع الجزئي
- وهو تدوين الشعر الجاهلي بخاصة - لا يصخُ أن يقوم وحده معفقاً في الفضاء،
وحوله سحب الشأ والإنكار. ومن أجل ذلك مَفَد بحديث موجز انتهى به إلى
ثلاثة أمور:
الأول: ان صحف الكتابة كانت - منذ ظهور الإسلام وفي القرن الأول
الهجري - من الكثرة والشيوع بمنزلة يتيشَر معها لمن أراد أن يشتري منها ما يفي
بحاجته. فيستطيع أن يضئمَ بعضها إلى بعض ويؤلَف أجزاءها، ويجعل من
مجموعة هذ 5 الصحف كتاباً أو ديواناً مؤئَفاً.
والثاني: استيفاءٌ للأول. وهو بيان المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية
للتدوين في ذلك العصر المبكر، فجمع من الألفاظ التي وردت في نصوصهم
واخبارهم، التي كانوا يطلقونها ليدئُوا بها على مجموعة الصحف المدؤَنة،
والتي كانت تختلف عن ألفاظها الدائَة على الصحيفة المفرَدة -جمع من كل ذلك
ما يدعم معرفتهم بالتدوين.
والثالث: أنه عرض من الروايات والنصوص عن تدوين الحديث والفقه
والتفسير والمغازي والسيرة، ما لا يبقى معه شذ في أن بعضها كان يُدَؤَن منذ
عهد رسول الله ع! ي! وعهد صحابته رضوان الله عليهم.
أما الشعر الجاهلي نفسه، فبئن المؤكف أنه قد دُوِّن منذ هذا العهد المبكَر
تدويناً عامّاً، في ضمن هذ 5 ا لموضوعات التي ذكرها للاستشهاد به، أو ا لاحتجاج
أو التمثلُ، أو تفسير الألفاظ وشرح غريبها، وأوضج أن مدوِّنو الحديث
والتفسير والمغازي والسيرة هم من رواة الشعر وحُفاظه. ودُؤَن فضلاً عن ذلك
تدويناً خاضَاً مستقلأً. فجمع من الأخبار والروايات ما تقطع بأن الشعر الجاهلي
81