كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر
يكن له من سعة هذا الانتشار، ما يتيح وجود نسخ كثيرة من الديوان الواحد تفي
بحاجة القارئين. أوانذاك وأوضح أن هذا الشعر - أو بعضه -كان مُدَؤَناً، ولكن
تدوينه كان مقصوراً على نسخ معدودة - هي الأمهات أو المراجع، ينسخها أفراد
قلائل من الرواة أو الشعراء، أو أبناء قبيلة الشاعر، او الممدوحين من السادة
والأشراف، ثم يحفظ هؤلاء جميعاًاو بعضهم هذا الشعر، ويتناقلونه إنشاداً - لا
قراءة - في مجالسهم ومثاهدهم وأسواقهم، وير؟ دونه شِفاهاً في سَمَرِهم
ومحافلهم ومُنإفراتهم ومواقف فخرهم، فيشيع بين العرب. ويتناقله الوكبان
عن هذا الطريق من الرواية الشفهية، من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل، لا
عن طريق القراءة والمدارسة من الكتاب أو الديوان (1).
ثم انتهى إلى الحديث عن أمر له قيمته وخطره، وذلك هو اتصال رواية
الشعر الجاهلي من الجاهلية نفسها إلى عصر التدوين العلمي في القرن الثاني.
ومَهَد لحديث بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان الشعر علم قوم، لم
يكن لهم علم أصحَ منه " وتعقيب محمد بن سلأم عليه بقوله: " فجاء الإسلام،
فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر
وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأئت العرب بالأمصار،
راجعوا رواية الشعر، فلم يُؤولوا إلى ديوان مدؤَن ولا كتاب مكتوب. والْفَوا
ذلك وقد هلك مَن العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب
عليهم منه كثير! (2).
وكشَر المؤلِّف كلام ابن سلاَّم على ثلاثة أشطر: آخرها حق، ومُوْسَطها
باطل، وأؤَلها يحتاج إلى فضل بيانٍ يوضمحه.
اما الحقُّ الذي لا مرية فيه فقوله: "فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه
كثير" وقد فصّل ناصر الدين الأسد وجه الحق فيه.
(1)
(2)
انظر ص 187 - 4 9 1.
وتوهم كثيرون، فجعلوا كلام ا بن سلام من كلام عمر بن ا لخطاب رضي ا لله عنه.
84