كتاب ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر

وكان لا بذَ للمؤلف من أن يفصل القول في منهَجَي هاتين المدرستين،
والمصادر التي استقى منها علماء كل مدرسة الحديثَ واللغة والشعر الجاهلي،
فوجد أن المذهب البصري قائم في جملته على التشدُد والتضييق، والميل إلى
التقعيد والقياس. وأن الكوفيين كانوا أكثر حرية، وأكثر جرأة، وأنهم قد توشَعوا
حين ضتق البصريون، وتوقفوا وأخذوا عن مصادر لم يرتضِها البصريون. ومن
هنا كثرت رواية الكوفيين فاتهمهم البصريون بالتزئد والوضع.
وقال إن رواية اللغة والشعر عند الكوفيين، كان فيها كثرة لا تكثزُ وزيادة لا
تزيد، وانتهى إلى نفي تهمة الوضع المتعفَد، والكذب عن هؤلاء العلماء من
المدرستين معاً، ومع ذلك فإنه لم ينفِ ان في الشعر الذي رووه ما هو موضوع
منحول، غير انهم لم يكونوا هم الذين وضعوه ونحلوه، إنما رواه بعضهم كما
وجده، ثم قاسه على ما بين يديه من مقاييس نقدية تتَمّق مع منهجه، فأسقط
بعضه وصخَح بعضه، واختلف علماء المدرستين فيما أسقطوا وصخَحوا لما
بئنه من اختلاف مناهجهم واختلاف مصادرهم.
ثم وقف عند كلمة (منحول) وفزَق بينها وبين كلمة (موضوع) وذكر أ ن
هؤلاء العلماء كانوا يقولون احياناً إن هذا الشعر منحول لامرئ القيس!،
ويقصدون أنه شعر قديم جاهلي لا يشكُون في قِدَمه وجاهليته، ولكنهم يشكُون
في نسبته إلى امرىْ القيس بعينه مثلاً، وذكر ايضاً أن هؤلاء العلماء كانوا أحياناً
يسمعون قصيدة جاهلية يرويها أحد الرواة ولكنه لا ينسبها، لأنه نسي نسبتها، ا و
لأنه رواها من غير نسبة، فيستمع إليها العالم الراوية، ويرخج نسبتها إلى شاعر
جاهلي بعينه، لأنه رآها اقرب إلى روح ذلك الشاعر وطابعه الفني، لكثرة
درابعته لشعره ومعرفته بخصائصه، وأورد لكل ذلك من الشواهد والأمثلة ما
يوضحه.
وبعد أن اطمأنَ إلى المحاولة التي أفرغ فيها جهده لملء هذه الفجوة بين
الشاعر الجاهلي نفسه، والطبفة الأولى من العلماء الرواة، وأظهر ان الرواية
90

الصفحة 90