تزيد الصحافة في البديهة، فكذلك هي تزيد في الطبع، لأنّ الصحفي
لا يتّسع وقته للتزويق والتنميق، فلابدّ له من الإنشاء على سجيّته
وطبعه، وقد شبّهوا الصحافة بالمغطس في الحمام، فكما انّ الإنسان
يغطس في المغطس فيطرح جسمه ماعلق به من الوسخ، ثم يخرج
نظيفأ نقيّا، فكذلك الفلم يغطس في الصحافة فتنقيه على مر الأيام من
كثير من العيوب.
نستخرج من كلّ ما تقدم أنّ أسلوب كرد علي قد رُزق مرونة
عجيبة، فهو لم يجمد على صبغة واحدة من البيان لا يكاد يتخطاها،
وإنما مرن هذا الأسلوب على صيغ شتى وقوالب مختلفة، ففد صلج
للغة العاطفة كما صلج للغة العقل، وقدر على التاريخ والاجتماع كما
قدر على الأدب، وأفصج عن الأخلاق العامة، كما افصج عن خوالج
صاحبه ولواعجه، فأبرزُ الخصائص في اسلوب كرد علي إنّما هي هذه
المرونة البالغة التي جعلته يعطي كلَّ موضوع ما يستحقه من الكلام (1).
وقال الأستاذ جمال الدين الاَلوسي: " عُدّ - أي الأستاذ الرئيس - من
أصحاب الأساليب، وقرنه الأستاذ محمد عبد الفتاح في كتابه " أشهر
مشاهير أدباء الشرق " بالعقاد وطه حسين ومحمد عبده. وعدّه الأستاذ
جمعة إسماعيل في الأدباء الخمسة أصحاب الأساليب. وثقافتهُ
لا تعتمد علئ الصحافة بفدر ما يعتمد علئ كتب التراث: عربية وفرنسية
وتركية، مكّنته فطرته السليمة وذكاؤه الحادّ ودراسته المثهجيّة من عربية
وفرنسية وتركية وثقافته بمعارف عصره عربية وشرقيّة - أهّلَتْه في الأخير
أن يتبوأ مركزه الأدبي والاجتماعي. قرأ المخطوطات، وبحث عنها في
(1) محاضراب عن محمد كرد علي ألقاها الأستاذ شفيق جبري على طلبة قسم
الدراسات الادبية سنة 1957 في معهد الدراسات العربية العالية، ص 1 0 1
وما بعدها.
40