سيطرت على الساحة الفكرية منذ الفترة المبكرة للقرن العشرين، فقد أصبح
هناك فريقان:
أحدهما: يحذّر من الوافد الغازي وخطره على المقوّمات الثقافية للأمة.
والاَخر: يقفَلُ من هذا الخطر، منكرين ومستنكرين وجود هذه القضية
من الأساس.
الفريق الأول: الذي يؤمن بوجود غزو حضاري، يدعو إلى ضرورة
احترام الحدود الحضارية، خصوصأ انَّ أمم العالم بينها ما هو مشترك
حضاري عام، وهذه الامم ايضأ تتمايز حضاريّأ، وهو ما ينفي الوحدة
الحضارية، ويستدعي الحفاظ على الهويات الحضارية المتمايزة.
وكعادته في الدعوة إلى الوسطية نجد الدكتور محمد عمارة يؤكد على اننا
ننكر تصور العالم وطنأ حضاريّأ واحداً لحضارة واحدة. . . وهو تصؤُرُ
الذين ينكرون وجود الغزو الفكري، ويرونه مجرد وهم من الأوهام، ويرى
الدكتور محمد عمارة أنّ هذا الموقف حتى مع افتراض حُسْنِ النية مكرَّسٌ
وموظَّفٌ لخدمة الحضارة الغربية المتغلبة على العالم المعاصر.
في الوقت ذاته ينكر الدكتور محمد عمارة تصور العالم حضارات منعزلة
تمامأ ومكتفية بذاتها، لأن هذا التصور فضلاً عن أنه يتجاهل الواقع المشترك
الحضاري الإنساني ف! نّه في النهاية يقودُ إلى الانتحار الحضاري.
لذا يقف الدكتور محمد عمارة وسطأ بين الموقفين، فيدعو لمعرفة ما هو
مشترك وعام في الفكر الإنساني، فنعمل على تحصيله واستلهامه لازدهار
الخصوصية، وذلك مع إدراك سمات الخصوصية الحضارية، والعمل على
الحفاظ عليها، وذلك استهداف لنهضة حديثة، وإبداع جديد للأمة تسهم به
في إثراء الفكر الإنساني، وهذا هو الموقف الذي تبناه الدكتور محمد عمارة
في الكتاب، وعمل على تقديمه بالأدلة والبراهين للبرهنة على صدقه.
102