كتاب الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

وبعد ثلاثة أعوام «1» من الدعوة السرية (الفردية) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه فقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] «2» وبذلك بدأت الدعوة في مكة مرحلة جديدة هي مرحلة الدعوة الجهرية (الجماعية) .
اختار النبي صلّى الله عليه وسلم للدخول في هذه المرحلة- مكانا خاصّا وكلمات خاصة يخاطب بها أهل مكة، فوقف النبي صلّى الله عليه وسلم عند الصفا، وهو مكان يجتمع فيه المكيون بشكل كبير، ونادى بأعلى صوته: (واصباحاه) «3» ، ويلاحظ أن هذه الكلمة التي افتتح بها النبي دعوته لأهل مكة هي كلمة تسترعي الانتباه، فهو يعني أن هذا الصباح ليس ككل الصباحات، بل إنه صباح له وجه خاص.
وتشير المصادر إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ بسوق عكاظ وعليه جبة حمراء وهو يقول:
«أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا» ، وكان يتبعه أبو لهب (ت 2 هـ) يكذّبه «4» ، فكان لابد للنبي أن يلين في دعوته إلى أبعد الحدود، فرأى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجمع بني عبد المطلب على طعام يصنعه لهم حتى أكلوا فشبعوا دعاهم إلى الإسلام «5» .
أدرك النبي صلّى الله عليه وسلم أن دعوته بدأت تدخل مرحلة حرجة تستدعي مزيدا من الصبر وضبط النفس، ولابد من اتخاذ كل الوسائل للحفاظ على علاقة الود بينه وبين قومه، ولكن قريشا شعرت أن الدعوة الجديدة تعني إحداث تغير كامل في بنية التنظيمات القائمة، وإحداث خلخلة كاملة لكل معتقدات قريش وموروثاتها الدينية والاجتماعية والإدارية.
__________
(1) عرجون، محمد رسول الله (ج 1، ص 597) .
(2) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 262) (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 199) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 166) (كلاهما عن الواقدي) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 24) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 318) .
(3) ابن إسحاق، محمد بن إسحاق يسار (ت 151 هـ) ، كتاب المغازي، تحقيق محمد حميد الله، تركيا، (1401 هـ، 1986 م) ، (ص 156) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 262، 263) ، (ابن إسحاق) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 118) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 25) . الطبري، تاريخ (ج 1، ص 319) (ابن عباس) . البيهقي، أبو بكر أحمد بن حسين (458) السنن الكبرى (ط 1) حيدر أباد، المطبعة العثمانية (1354) ، (ج 9، ص 6) (عائشة) .
(4) ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 200) (الواقدي) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 121) . الطبري، تاريخ (ص 319) (ابن عباس) . البيهقي، السنن (ج 9، ص 7) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج 20، ص 219) .
(5) اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 25) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج 2، ص 321) (أبو عوانة) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج 20، ص 265) .

الصفحة 62