كتاب التقوى تعريفها وفضلها ومحذوراتها وقصص من أحوالها
4 - إغلاظ أبي ذر القول لامرأتين: قال: بينما أهل مكة في ليلة قمراء - أي مضيئةٍ - إضحيانٍ (¬1) وضرب الله على أصمخة أهل مكة (¬2) وما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافاً ونائلة (¬3)، فقلت: أنكحوا أحدهما الآخر، قال: فما ثناهما ذلك، قال: فأتتا عليّ فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لم أكن، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا، قال: فاستقبلهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل فقالا: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قالا: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم.
5 - مقابلة أبي ذر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر: قال: فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وصاحبه حتى استلم الحجر، فطاف بالبيت، ثم صلى ركعتين، قال: فأتيته فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله (¬4) ممن أنت؟» قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده، فوضعها على جبهته. قال: فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، قال: فأردت أن آخذ بيده، فقد عني صاحبه (¬5) وكان أعلم به مني، قال: «متى أنت هاهنا؟» قال: قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين يوم وليلة. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها مباركة، إنها طعامٌ طعم» (¬6).
¬_________
(¬1) ليلة إضحيانٌ: مضيئة مقمرة. ويقال أيضاً: إضحيانة.
(¬2) أي أنامهم. والأصمخة: جمع صماخ وهو ثقب الأذن.
(¬3) إساف ونائلة: صنمان كانا منصوبين عند الكعبة.
(¬4) في صحيح مسلم: وعليك ورحمة الله.
(¬5) قدعه: كفه.
(¬6) أي أنها تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.