كتاب دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه (اسم الجزء: 2)

البخاري عن ابن عباس قال: "كانت عكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهليَّة، فتأثموا أن يتَّجرُوا في المواسم، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، في مواسم الحج" (¬1)، وممَّا قبل في معنى قوله تعالى: {مِنْ رَبِّكُمْ} يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من اللَّه تعالى نوع من أنواع العبادة) (¬2).
وتحسن الإشارة في ختام هذا إلى أن العبادة في الإسلام توقيفيَّة -كما سبق بيان ذلك-، وحق التشريع فيها مقصور على اللَّه وحده؛ (لأنَّه المتعبَّدُ، الذي خلق العباد لعبادته، وهو أعلم بما يتعبدهم به، وأخبر بما يصلح لهم من عبادات، وما يرضيه من أعمال. . . {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، ولو ترك الناس وشأنهم في اختيار أنواع العبادات، لخبطوا فيها خبط عشواء، وهذا مظهر من مظاهر نعمة اللَّه في إكمال دينه، وإتمام نعمته، وحكمة إرسال رسله، وإنزال كتبه. . . وهذه الخصيصة التوقيفيَّة، متفق عليها بين العلماء جميعًا. . . وذلك عائد إلى توافر الأدلة عليها، وتضافرها على الأمر بالاتباع وذم الابتداع، من ذلك قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" (¬3)، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (¬4). . . . وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في شأن
¬__________
(¬1) صحيح البخاري: 4/ 1643، كتاب التفسير، باب [36]، الحديث رقم [4247]، تحقيق: مصطفى ديب البغا (مرجع سابق).
(¬2) محمد حسن أبو يحيى: أهداف التشريع الإسلامي: ص 375، (مرجع سابق)، وانظر: يوسف القرضاوي: العبادة في الإسلام: ص 288، 289، (مرجع سابق).
(¬3) أخرجه البخاري: صحيح البخاري 2/ 959، كتاب الصلح، باب [5]، الحديث رقم [2550]، تحقيق: مصطفى ديب البغا (مرجع سابق)، وأخرجه مسلم، كتاب الأقضية، رقم الحديث: [1718]، (مرجع سابق).
(¬4) أخرجه مسلم: صحيح مسلم 3/ 1344، كتاب الأقضية، باب [8]، الحديث رقم [1718]، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).

الصفحة 782