كتاب فقه النوازل للأقليات المسلمة (اسم الجزء: 1)

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-تعليقًا على هذه الآية-: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (¬1).
والدلالة هنا إما نصًّا أو جملة (¬2)، وبيَّن ذلك القرطبي -رحمه الله- فقال: "إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب" (¬3).
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12]،، ومنها: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، ودلالة هذه الآيات قطعية؛ ولذلك سمي هذا القرآن "فرقانًا، وهدًى وبرهانًا، وبيانًا وتبيانًا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم" (¬4).
ثم السنة بعد ذلك مفصلة لما أجمل، وشارحة ومبينة لما أبهم، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 4].
فقد جمع القرآن الكليات، ونص على بعض التفصيلات، وتولت السنة بعد ذلك الإكمال، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وقد شمل بيان السنة للقرآن ما يتعلق بمعاملة العبد لربه، ومعاملة العبد لنفسه، ومعاملة العبد لغيره، فعلوم التوحيد والعقيدة والأخلاق والسلوك والعبادات والمعاملات
¬__________
(¬1) الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، (ص 20).
(¬2) الأم، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: د. رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، المنصورة، ط 2، 1425 هـ - 2004 م، (9/ 69).
(¬3) تفسير القرطبي، (6/ 420).
(¬4) الموافقات، للشاطبي، (3/ 354).

الصفحة 165