كتاب فقه النوازل للأقليات المسلمة (اسم الجزء: 1)

المذهب الأول:
التحليل والتحريم صفات عَرَضِيَّة تعرض لمتعلَّقاتها من الأعيان، أو الأفعال بدلالة خطاب الشرع فحسب، ولا ارتباط بين الحكم والصفات الذاتية في متعلَّقه الذي يقوم به، إلا أن الخطاب الشرعي ربط بينهما ابتداءً لغير معنى يعقل، فلا يعتبر في تحريم الخمر ما يتعلق بذاتها من صفة الخمرية وإحداث السكر؛ إذ الحكم لا يتعلق بالأعيان لخصائصها الذاتية أو الملازمة، بل معنى هذا التحريم نسبة الخمر إلى اجتناب الشرب وعدم التناول فحسب.
ويعتبرون أن قولنا: الخمر محرمة تجوُّز؛ لأنها جماد لا يتعلق بها خطاب، وإنما المحرم تناولها، أو المقول فيه: لا تفعلوا، كما أن الواجب المقول فيه: لا تتركوا (¬1).
وهذا مذهب جمهور المتكلمين من الأصوليين (¬2) وبعض أصوليي الحنفية (¬3).
المذهب الثاني:
التحليل والتحريم قد يتعلقان بالأفعال والأعيان لخصائص ذاتية، أو ملازمة تناسب الحكم وتصلح له، فإن كانت الأعيان والتصرفات بها من الفساد أو الضرر اقتضت حكمته تعالى ورحمته بعباده التحريم، وإن كانت تتضمن خصائص النفع والصلاح اقتضت رحمته تعالى الإباحة، ولا يمنع أن تكون صفات عرضية إضافية تقتضي الأحكام الشرعية، ولا سبيل لإدراكها من غير طريق النصوص الشرعية، بل ولا يثبت الحكم الشرعي في هذه الأعيان أو
¬__________
(¬1) المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد حسن هيتو، دار الفكر دمشق، ط 2، 1400 هـ - 1980 م، (ص 7).
(¬2) البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط 4، 1418 هـ (1/ 79)، المستصفى، للغزالي، (ص 58).
(¬3) أصول السرخسي، لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1414 هـ - 1993 م، (1/ 195)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 هـ - 1997 م، (1/ 391).

الصفحة 175