لكان الفعل عامًّا في جميع الأوقات، ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودًا قبل الزوال، طردًا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح، وهكذا كل أمر تعبدي، معناه أن فيه معنًى لم نعلمه، لا أنه ليس فيه معنى" (¬1).
ويرد على هذا أنه لا يلزم من كل أمر أو نهي تحصيل مصلحة للعباد؛ بل قد يقصد الشارع الحكيم الزجر والعقوبة لقيام مقتضاها من جهة المكلفين، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161].
فلا يمتنع أنه قد يحرِّم الرب ما لا مفسدة فيه؛ عقوبة لمخالفة أو حرمانًا للمخالفين (¬2).
وأخيرًا فإن المبالغة في التنقيب عن حِكَم المشروعيات بما لم تظهر دلالته من النصوص والأدلة الشرعية، لا سيما ما يظهر فيه وجه التعبد المحض، قد لا يخلو من تكلف.
يقول المقَّري -رحمه الله- (¬3): "التدقيق في تحقيق حِكَم المشروعية من مُلَح العلم لا متينه عند المحققين، بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها، فلا ينبغي المبالغة في التنقيب عن الحِكَمِ لا سيما فيما ظاهره التعبد" (¬4).
¬__________
(¬1) أنوار البروق في أنواء الفروق، لأحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، تحقيق: د. على جمعة محمد، د. محمد أحمد سراج، دار السلام، القاهرة، ط 1، 1421 هـ - 2001 م، (2/ 584).
(¬2) قواعد الأحكام، للعز ابن عبد السلام، (1/ 59).
(¬3) أبو عبد الله، محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني الفاسي المالكي، الشهير بالمَقَّري، جد المؤرخ الأديب أحمد المَقَّري صاحب نفح الطيب، وكان فقيهًا ضليعًا بفقه مذهبه وأديبًا شاعرًا، وكان جريء الجنان لا تأخذه في الله لومة لائم، أخذ عنه الشاطبي صاحب الموافقات وابن خلدون، من مصنفاته: القواعد، الطرف والتحف، والمحاضرات، توفي 758 هـ. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، لأحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1408 هـ - 1988 م، (5/ 203)، شجرة النور الزكية، لمحمد بن محمد بن مخلوف، (ص 232).
(¬4) القواعد، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري، تحقيق: أحمد بن عبد الله بن حميد، جامعة أم القرى، مكة، (2/ 406 - 407).