كتاب فقه النوازل للأقليات المسلمة (اسم الجزء: 1)

ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، تَرِدُ الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربُّها" (¬1).
وظل هذا الحكم مستقرًّا إلى آخر عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولما جاء عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها على خلاف ما كان معمولًا به فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، ومَرَدُّ هذا إلى فسادِ الذممِ ونقصِ الأمانةِ اللَّذَيْنِ دبَّا بين الناس (¬2).
وعليه فقد صان هذا الحكمُ الأموالَ وحفظها من أيدي العابثين، ولو بقي هذا الحكم على ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لَلَحِقَ الضررُ بالمجتمع (¬3).
وفي إحياء الأرض الموات قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (¬4)، وكان ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - تحفيزًا للمسلمين على إحياء الأراضي الموات واستغلالها واستثمارها، وذلك أيام كان المسلمون يعون مقاصد الأحكام ويلتزمونها، فلم يكن من غرضهم حوزُ الأراضي أو السطوُ عليها ثم إماتتها بعد ذلك كما آل إليه حال من جاء بعدهم.
فلما تغير الحال وظهر الجشع والطمع، فصار بعض المسلمين يحوزون من الأرض ما لا يطيقون استغلالَهُ وإحياءَهُ وإنما لضمان ملكيته وحوزته، تغيرت الفتيا زمنَ عمرَ
¬__________
(¬1) أخرجه: البخاري، كتاب العلم، باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، (91)، ومسلم، كتاب اللقطة، (1722)، من حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-.
(¬2) المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1420 هـ - 1999 م، (8 - 70 - 72)، مناهج الاجتهاد، د. محمد سلام مدكور، (ص 302 - 303).
(¬3) محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي، د. محمد يوسف موسى، دار الكتاب العربي، مصر، 1955 م، (ص 8 - 9)، المدخل الفقهي العام، لمصطفى الزرقا، (2/ 950 - 951).
(¬4) أخرجه: أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: في إحياء الأموات، (3073)، والترمذي، كتاب الأحكام، باب: ما ذكر في إحياء أرض الموات، (1378، 1379)، من حديث سعيد بن زيد وجابر -رضي الله عنهما-عند الترمذي-، وسعيد وحدَه -عند أبي داود-. قال الترمذي في حديث سعيد: "حديث حسن غريب"، وقال في حديث جابر: "حديث حسن صحيح".
وأخرج البخاري، كتاب المزارعة، باب: مَن أحيا أرضًا مواتًا، (2335)، من حديث عروة عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق". قال عروة: قضى به عمر -رضي الله عنه- في خلافته.

الصفحة 214