إذا هي نزلت من إذا قال وُفِّقَ وسُدِّدَ، وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتأخذوا هكذا وهكذا"، وأشار بين يديه وعلى يمينه وعن شماله (¬1).
وهذا الحديث يدل بسياقه على شرطية نزول النازلة ووقوعها، وشرطية أهلية المجتهد لاستنباط حكمها، وهذا ما رجحه عدد من أهل العلم المعتبرين قديمًا وحديثًا (¬2).
وبناءً على ما سبق؛ فإن الأقليات المسلمة التي تعيش حالة اغتراب كاملة عن أوطان المسلمين، وفي أزمنة الغربة الثانية للدين، ويفشو في ديارهم الجهل ويقِلُّ العلم، وتُحْكَم بلادهم بقوانين وضعية لا ترقب فيهم إلًّا ولا ذمة، كل هذا في بحر لجيٍّ من الفتن، وتشتد عليهم المسائل النازلة، وتكثر فيهم الحوادث الواقعة، فيحيلونها إلى أهل العلم للاجتهاد، ومن ثم الإفتاء؛ فلا ينبغي التوقف عن بحث مسائلهم والاجتهاد في نوازلهم لخصوصية تلك النوازل من جهة، وخصوصية حال أصحابها من جهة أخرى، ولا يَقِلُّ حكم الاجتهاد في هذه الحالة عن فرض الكفاية، وقد يتعين هذا الفرض على المجتهدين المقيمين في تلك البلاد قبل البعيدين عنها.
¬__________
(¬1) أخرجه: الدارمي، باب: التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، (118). وضعفه الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (882).
ورُوي نحوه من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، ومن مُرسَل أبي سلمة بن عبد الرحمن -رحمه الله-، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري"، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت (مصورة عن ط: المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة - مصر)، (13/ 266): "أخرج أبو داود في "المراسيل"، من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة مرفوعًا، ومن طريق طاوس عن معاذ رفعه. . . " فذكره بنحوه، ثم قال: "وهما مرسلان يقوي بعض (كذا؛ ولعلها: بعضهما) بعضًا".
(¬2) إعلام الموقعين، لابن القيم، (4/ 266)، شرح الكوكب المنير، لابن النجار (4/ 526 - 527)، المدخل إلى فقه النوازل، د. عبد الناصر أبو البصل، (ص 125 - 126)، منهج استنباط النوازل، د. مسفر القحطاني، (ص 134 - 135).