وعليها بُنيت قواعد أصولية أخرى، وأُسست قواعد فقهية كبرى.
فأما سريانها إلى الأحكام الشرعية بعامة فيتجلى في ثلاثة مظاهر:
المظهر الأول: الأحكام المخففة ابتداءً، وهذا جارٍ في جميع الأحكام المتعلقة بالعبادات وغيرها.
المظهر الثاني: الأحكام المشروعة للأعذار، وقد شرعت ترخيصًا وتيسيرًا لأجل ما يطرأ على المكلف من عجز أو حرج.
المظهر الثالث: ما سقط عن الأمة مما كُلِّفت به بعض الأمم السابقة في شرائعها (¬1).
وأمثلة كل مظهر كثيرة شهيرة يطول المقام بذكرها، وأما شروط التكليف المبنية على رفع الحرج فالمقصود بها أمران:
1 - التكليف بفعل مقدور للمكلف:
فلا تكليف شرعًا بما لا يطاق، وهو مذهب جمهور العلماء (¬2).
وينبني على هذا أن يكون الفعل المكلَّف به ومصدره معلومين للمكلف، فلا يصح التكليف بالمجهول، ويما لا يعقل، وإلا للزم التكليف بما لا يطاق، وهو من أعظم الحرج (¬3).
كما أنه لا تكليف إلا بفعل الإنسان، وما يدخل تحت قدرته، فلا يكلف بفعل غيره (¬4)، ولا بما لا يقدر عليه، فلا تكليف بالمستحيل.
قال الشاطبي -رحمه الله-: "فالأوصاف التي طبع عليها الإنسان، كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها؛ فإنه من تكليف ما لا
¬__________
(¬1) رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، د. صالح بن حميد، (ص 97).
(¬2) البحر المحيط، للزركشي، (1/ 386 - 389)، فواتح الرحموت، للكنوي، (1/ 99 - 103)، المستصفى، للغزالي، (69 - 71)، نهاية السول، للإسنوي، (1/ 345 - 369).
(¬3) الموافقات، للشاطبي، (3/ 27).
(¬4) فلا يكلف عمرو مثلاً بخياطة زيد أو كتابته ولا بشيء من الصفات الجبلية كالسواد والبياض والطول والقصر، انظر: رفع الحرج، للباحسين، (ص 164).