كتاب فقه النوازل للأقليات المسلمة (اسم الجزء: 1)

فالحاصل أن هذه القاعدة مقيدة بقيدين:
أولهما: الإباحة المذكورة بمعنى رفع الإثم والحرج، لا بمعنى التخيير بين الفعل والترك.
ثانيهما: الضرورات لا تبيح جميع المحظورات، بل هناك محظورات لا تبيحها الضرورات البتة.
ويمكننا بعد مراعاة هذين القيدين صياغة معنى هذه القاعدة على هذا النحو:
"الضرورات ترفع الإثم والحرج عند ارتكاب المحظورات التي دونها في المفسدة" (¬1).
ومما يؤكد هذا التقييد من القواعد الفقهية:
"الضرر لا يزال بمثله" (¬2).
"يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" (¬3).
"يُرتكب أخف الضرر لن لدفع أعظمهما" (¬4).
ومن القواعد الفقهية المتعلقة بالتدافع بين المصالح والمفاسد وغيرها مما يتصل بهذا الضابط: أن يحفظ المضطر أصول الشريعة وثوابتها، فلا تلجئه ضرورة مهما بلغت لأن يكفر بالله -مثلًا- ولا تحمله نازلة لأن يطمئن قلبه بالكفر -عياذًا بالله-؛ وذلك لقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].
فلا يتصور الإكراه على شيء من أعمال القلوب (¬5).
قال العز ابن عبد السلام -رحمه الله-: "ولا يتصور الإكراه بالجنان، ولا على جحد ما يجب
¬__________
(¬1) حقيقة الضرورة الشرعية، د. محمد الجيزاني، (ص 112).
(¬2) الأشباه والنظائر، لابن السبكي، (1/ 53)، الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 86).
(¬3) الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 96)، شرح القواعد الفقهية، للزرقا، (ص 197).
(¬4) الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 87)، الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 96).
(¬5) الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 208).

الصفحة 475