قلت: أمَّا العالم، فلا يقال له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدِّم المهمَّ؛ فإنَّ العاقل من قدَّر عُمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر! غير أنَّه يبني على الأغلب ... إلى أن قال: فإذا علم العاقل أنَّ العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيحٌ بالعاقل، الطالب لكمال الفضائل، أن يتشاغل بالمفضول عن الفاضل (¬1) ... وينبغي لمن له أنفةٌ أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس، وأن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل» (¬2).
* * *
• ومن مواعظ سلمان - رضي الله عنه - قوله - في التحذير من كثرة الكلام (¬3):
«أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله».
ولعلَّ سلمان - رضي الله عنه - أخذ هذا المعنى من قوله - صلى الله عليه وسلم - في وصيَّته لمعاذٍ - رضي الله عنه - بالحذر من لسانه: (كُفَّ عليك هذا)، فقلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟! فقال: (ثكلتك أُمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ النَّاس في النَّار على وجوههم- أو على مناخرهم - إلَّا حصائد ألسنتهم) (¬4).
ودخل في قول سلمان - رضي الله عنه -: (أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله) كلُّ معاصي اللِّسان، وما أكثرها! فالغيبة، والنميمة، والكذب، والسُّخرية، وغيرها- من آفات اللسان!
¬_________
(¬1) ذكر نماذج كثيرةً من واقع عصره، اختصرتها في هذه الكلمات، ومن أحبَّ التفصيل، فليرجع للكتاب.
(¬2) صيد الخاطر (125).
(¬3) مصنف ابن أبي شيبة (7/ 120).
(¬4) سنن الترمذي ح (2616) وقال: حسن صحيح.