كتاب دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

وانعقد الإجماعُ عندَ أهلِ الإسلام على ثبوتِ عذابِ القَبْر ونعيمِه، وأنّ الناسَ يُفْتَنُون في قبورهم. وقد نقلَ غيرُ واحدٍ الإجماعَ على ذلك:
قال الإمام ابنُ عبد البَرّ - رحمه الله -: (وليس من أئمة المسلمين وفقهائهم، وحمَلَة الآثار منهم؛ من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم = أحدٌ يُنكِرُ فتنةَ القَبْر. فلا وجْهَ للاشتغالِ بأقاويلِ أهل البِدَع والأهواءِ المُضِلَّةِ) (¬١) .
وقال الإمامُ ابنُ القطّانِ: (وأجْمَع أهل الإسلام من أهل السُّنّة على أن عذاب القَبْر حقٌّ، وعلى أنّ مُنْكَرًا ونكِيرًا مَلَكَي القَبْر حقٌّ، وعلى أنّ النّاسَ يُفتَنُونَ في قبورهم بعدما يُحْيَون فيها؛ فيُقالُ له: مَنْ ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَنْ نبيُّك؟ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)} إبراهيم: ٢٧) (¬٢) .
وقال الإمام ابن العطَّار - رحمه الله -: ( .. إثبات عذاب القبْرِ، .. هو مذهب أهل السُّنَّةِ، وهو ممَّا يجبُ اعتقادُ حقيقتهِ، وهو ممَّا نقلته الأُمَّة مُتواترًا =فمن أنكر عذاب القبرِ، أو نعيمَهُ =فهو كافرٌ؛ لأنَّه كذَّب اللهَ تعالى، ورسولَه في خَبَرِهما) (¬٣) .
والعذابُ أو النعيم عند أهل السُّنّةِ على روح الميت وبدَنِه. فالرُّوح
---------------
(¬١) "الأجوبة عن المسائل المستغربة" (١٨٩)،وانظر:"الاستذكار" (٨/ ١١٨) .
(¬٢) "الإقناع" (١/ ٥٢) .
(¬٣) "العُدَّة في شَرحِ العُمْدة" (١/ ١٤٠)،وابن العطَّار (٦٥٤ - ٧٢٤ هـ):هو علي بن إبراهيم بن داود، علاء الدين، أبو الحسن العطار الدمشقي الشَّافِعي، إمام حافظٌ زاهد تلمذ على الإمام النَّووي تخرَّج به، من تآليفه:"تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النَّووي"،و"حكم صوم رجب و شعبان" =انظر:"معجم الشيوخ"للذهبي (٢/ ٧)،و"الأعلام" (٤/ ٢٥١) .

الصفحة 519