كتاب الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه (اسم الجزء: 2)
وقال أَبو بكر بن الأنباري في "الكافي": واعلم أنَّه ليس من كلام العرب أن يستثنى من الشيء نصفه، فقبيح أن يقول: لزيد عليَّ عشرة إلَّا خمسة.
فصل
قال النحاة - ومنهم ابن السراج -: في الأول إذا قال: له عندي مائة درهم إلَّا درهمين، فهو استثناء، فيكون مقرا بثمانية وتسعين، وإذا قال: مائة إلَّا درهمان، فهو صفة، ويكون مقرا بمائة، لأن التقدير مائة مغايرة لدرهمين، وكذلك لو قال: مائة غير الألف، لأن الصفة تقضي على الموصوف، ولو قال: ألف مثل مائة، أو ألف مثل درهمين، كان مقرا بمائة ودرهمين، لأن أجزاء المائة قد تماثل درهمين.
وكذلك قاله غير واحد من النحاة، إذا قال: درهم إلَّا دانقا، فهو مقر بدرهم إلَّا دانق، وإذا قال: درهم إلَّا دانق -بالرفع-، فهو مقر بدرهم كامل.
وكذلك ذكر القاضي أَبو يعلى -في مسألة توبة القاذف مستشهدا به- قال: وعلى أن النحاة قالوا: إذا قال: له عليَّ عشرة دراهم إلَّا خمسة دراهم إلَّا ثلاثة دراهم، أنَّه يلزمه سبعة، ويرجع الأخير إلى العشرة، والاستثناء الأواط ليس في الحقيقة باستثناء، وإنَّما هو وصف للعشرة، لأن الاستثناء منها يجب أن يكون منصوبًا، فإذا كان مرفوعًا كان وصفا، فكأنه قال: عليَّ عشرة غير خمسة لا أذكرها، فالخمسة مبهمة غير مفسرة فلا تلزمه، وقوله: إلَّا ثلاثة، فإنها استثناء صحيح، فيرجع إلى عشرة.
قال: وهذا يدل على بطلان السؤال الذي ذكروه، يعني: الاستثناء من الاستثناء، وهذا الاعتراض عليهم ليس بصحيح.